مسلسلات     |    أفلام    |    يوتيوب    |   منتديات عالم المرأه    |   أناشيد    |   صورxصور    |   بلاك بيري

Your avatar

مرحبا بك يا غير مسجل.
دخول |عضو جديد!

   


العودة   منتديات موطن الحب > شعر - قصص - روايات > روايات وقصص

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-22-2009, 05:56 PM   #1
ابو الهنوف
شعراء الوطن
 
الصورة الرمزية ابو الهنوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: هناااااااااااااااااااك
المشاركات: 931
ابو الهنوف is on a distinguished road
Angry عصفور من الشرق // توفيق الحكيم

رواية للكاتب الكبير ،،، توفيق الحكيم ،،، سأنقلها هنا تباعاً على فصول

الفصل الأول



مطر غزير، قد ألجأ الناس إلى مظلات المشارب والحوانيت، وإلى الحيطان وأفاريز البيوت ومداخل المترو... ولم يبق في ميدان "الكوميدي فرانسيز" غير مياه تتدفق من الميازيب، وسيارات تخوض في شبه عباب... آدمي واحد ثبت لهذا المطر، وجعل يسير الهوينى، غير حافل بشيء؛ عيناه الواسعتان تتأملان نافورة الميدان، وهي زاخرة بالماء، وفمه ذو الشفاه العريضة يلوك شيئاً كالبلح، ويلفظ شيئاً كالنواة، ويده اليمنى كالرسول الأمين – من جيبه إلى فمه – تواتيه بالمدد في غير انقطاع... هذا الآدمي فتى نحيل الجسم، أسود الثياب، على رأسه قبعة سوداء عريضة الإطار، في قمتها فجوة غائرة، كطبق الحساء، قد امتلأت بماء المطر!

وفرغ الفتى من تأمل النافورة، فغادرها إلى جانب آخر من الميدان ، يقوم فيه تمثال الشاعر "دي موسيه" وهو يستوحي عروس الشعر.. فوقف الفتى ينظر إليه – وقد نقش على قاعدته: "لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم!..." ثم تطلع إلى وجه الشاعر، فألفى قطرات المطر تتساقط من عينيه كالعبرات؛ فتحرك قلبه، وسكت فمه!... ثم همس مردداً كالمخاطب لنفسه:
- لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم!.. نعم!..

ومرت في رأس الفتى صور من ماض بعيد.. ثم همس:
حتى هنا أيضاً يعرفون هذا؟!..
وغرق في التفكير، وغرقت قبعته في الماء، حتى فاض فسال على وجهه.. وإذا صوت خلف ظهره يصيح به:
- أراهن، بمائة فرنك، أن لا مخلوق يقف هكذا أمام هذا التمثال إلا أنت!..
فاستدار الفتى سريعاً:
- أندريه؟!..
- قبل كل كلام، انج بي وبنفسك من هذا المطر؛ ليس هذا وقت النظر إلى التماثيل!..
- بل هذا وقته!.. تأمل يا أندريه!.. هذه الدموع في عيني الشاعر!..
- لو لم يكن هذا الشاعر من رخام، لولّى الساعة هارباً، هو وعروسه، إلى أقرب قهوة، وتركاك وحدك، وسط هذه المياة!..
ولم ينتظر الفرنسي جواباً من صاحبه، بل جذبه إلى مظلة قهوة "الريجانس" القريبة، ثم نظر في وجهه، فوجد فمه يتحرك:
- عجباً!.. ماذا في فمك؟..
فلم يجب الفتى.. ولفظ من فمه نواة، وقعت في الماء الجاري إلى البلاليع، فصاح به أندريه:
- تأكل بلحاً؟!..
- نعم.. وفي شوارع باريس!..
- آه أيها العصفور القادم من الشرق!..
- في مصر نسميه "عجوة"... هذا النوع من البلح.. إني أتخيل نفسي الآن في ميدان المسجد بحي السيدة زينب!.. وأتخيل هذه النافورة.. ذلك السبيل بنوافذه ذات القضبان النحاسية..
- كفى تخيلاً!.. تعال... لقد سكن المطر..
- إلى أين؟..
فلم يجب أندريه.. وأخذ ينظر إلى ملابس الفتى، ويتأمله؛ من قبعته السوادء، ومعطفه الأسود، ورباط عنقه الأسود، إلى حذائه الأسود، ثم قال:
- عظيم جداً..
- ما هو العظيم جداًَ؟!..
- إنك الآن خير من يصلح للذهاب..
- إلى فاتنتي الجميلة؟..
- بل إلى المدافن.. هلم معي؛ لتشييع جنازة زوج بنت مدام شارل!... إن عليك "طقم" حداد كامل.. لكأني بك دائماً على أتم استعداد لمثل هذه الطلبات!... إن ليسرني أن أصحب مثلك إلى هذه النزهة القصيرة..
- النزهة؟!..
قالها الفتى وهو ينظر إلى صاحبه شزراً؛ ولكن صاحبه تجاهل النظرة؛ وجذبه من يده؛ وقال:
- تعال نؤدي معاً هذا الواجب...
- نحو من؟...
- نحو الفقيد المرحوم زوج بنت مدام شارل!...
- ومن هي أولاً مدام شارل؟..
- هي والدة أحد زملائي في المصنع..
- وما ذنبي أنا؟...
- ذنبك أنك صديقي!... فلتتحمل ما أتحمل ... لا شيء يثقل على نفسي، مثل المشي صامتاً؛ خلف عربات الموتى!...
سنتحدث ، على الأقل سوياً؛ في شئوننا، بل في شؤونك أنت، إني أعدك وعداً صادقاً، بالحديث طول الوقت، عن فاتنتك ذات الأنف؛ الذي تقول أنه – في نظرك- غير المثل الأعلى للأنف الجميل.. وقلب في رأسك كل الصور والأوضاع؛ التي كنت قد تخيلتها للجمال!...
- نعم؛ نعم!.. لقد كنت أعتبر الجمال...

وانطلق الفتى يتكلم متحمساً.. ولم يفطن إلى أندريه وقد قاده من ذراعه؛ ونزل به إلى إحدى محطات المترو، وابتاع له تذكرة في الدرجة الثانية؛ وأركبه قطاراً مرق بهما في جوف الأرض مروق لسان محسن بذلك الحديث اللذيذ... وابتسم اندريه، آخر الأمر في خبث؛ ابتسامة من يقول في نفسه: "إن معي الآن مفتاح قياده؛ فلألوحن له "بها" يتبعني صاغراً؛ بغير أن يشعر؛ إلى أقاصي الأرض"!..
***

دقت نواقيس كنيسة "سان جرمان" احتفالا باستقبال الجثمان؛ ولم تكن الجنازة قد وصلت بعد؛ ولم يكن بباب الكنيسة أحد غير محسن؛ فقد تركه أندريه عند الباب، وذهب يشتري مظلة؛ يتقيان بها المطر في أثناء السير في الطريق من الكنيسة إلى المقبرة. وأبطأ أندريه على صديقه؛ وبدت طلائع الجنازة؛ واشتد دق النواقيس.. ثم فتح باب الكنيسة على مصراعيه؛ واقتربت عربة الموتى، تتهادى حاملة التابوت اثوياً تحت باقات الزهر، وخلفها المشيعون تحت مظلاتهم. ووقفت العربة، وحمل التابوت إلى داخل الكنيسة، ومرت أفواج المشيعين بمحسن، في ملابسه السوداء الكاملة، فانحنوا له حاسبين أنه من أهل الميت الأقربين!.. هنا أدرك الفتى حرج موقفه؛ فأسرع واندس في فوج الداخلين، قبل أن تقع عليه أعين أهل الميت الحقيقيين، والناس تنحني له، فيظنوا بشأنه الظنون...

دخل محسن الكنيسة، ولم يكن قد دخل كنيسة قط، ولا حضر صلاة ميت من أموات النصارى، ولا رأى ما يجري فيها من المراسيم، ولا ما يتبع من الطقوس؛ فأحس برهبة، وخيل إليه أنه باجتيازه العتبة قد ترك الأرض، وارتقى إلى جو آخر، له عبيره، وله نوره!.. هنا أيضاً عين الخشوع وعين الشعور، الذي كان يهز نفسه كلما دخل في القاهرة مسجد السيدة زينب!.. هنا أيضاً عين السكون، وعين الظلام في الأركان، وعين النور الضئيل الهائم كالأرواح في جو المكان!.. إن بيت الله هو بيت الله في كل مكان وكل زمان!..

وضع التابوت في الصدر، وأضيئت حوله الشموع، وأخذت أصوات الرهبان تعلو، مرتلة الصلاة على أنام الأرغن، ثم تقدم الناس في صف طويل نحو التابوت يمرون به- الواحد تلو الآخر- ينضحونه بماء مقدس من "قمقم" فضي، ومشى محسن في الصف ذاهلاً خائفاً أن يحدث صوتاً على أرض الكنيسة. وانتبه قليلاً، فرأى القمقم في أيدي من أمامه في الصف، يرسم به الواحد علامة الصليب، وهو ينضح به الميت، ثم يسلمه في صمت إلى من خلفه، وراقب الفتى هذا الفعل يتكرر أكثر من خمسين مرة، وهو يحسب ألف حساب لنوبته. وأذهلته الرهبة، فما راعه إلا القمقم يسلم إليه ممن أمامه فتناوله بيد ترتجف، ولوح به نحو التابوت، راسماً في الهواء علامة، لا يدري من فرط اضطرابه: أدلت على صليب أم على هلال!.. ثم نضح التابوت على نحو خشى معه أن يكون قد أكثر فبلل الغطاء، ولكنه فرغ من مهمته على أي حال، فتنفس الصعداء، ومد يده بالقمقم يسلمه إلى من يليه، فلم يجد خلفه أحداً.. كان هو الأخير في الصف.. يا للكارثة!.. ما العمل؟!.. وحار وارتبك بهذا القمقم في يده لا يدري ما يصنع به، وقد اشتغل عنه القوم بتعزية أهل الميت الواقفين عند باب الخروج، وتصبب العرق بارداً من جبينه.. إ،ه يحمل في يده شيئاً مقدساً... كيف يتصرف إذن من تلقاء نفسه، في شيء مملوك لله داخل بيت الله؟!.. إنها لمسؤولية عظمى!.. ولمحه أحد القسيسين في هذا الموقف، فبادر إليه وحمل عنه العبء، فانصرف الفتى، وكأنه يقول في سذاجة: "ما أقوى كواهل أولئك الرجال الذين يتحملون كل تلك التبعات، في إدراة ممتلكات السماء!..". واسرع محسن إلى اللحاق بالصف، كي يعزي أهل الميت، فما كاد يتقدم إليهم في ملابسه السوداء حتى حملقوا فيه كانما هم يتذكرون أو يتساءلون عن هذا الصديق الحميم الذي أتى يشاركهم مصابهم في ثياب حداد كاملة، لم يرتد مثلها بعض أقارب الميت ولا ذووه!... وأعياهم التذكر، وفهم محسن ما يجول بخاطرهم، فلفظ سريعاً بضع كلمات غير مفهومة، وانطلق إلى الخارج.. فوجد أندريه واقفاً تحت مظلة جديدة، بين بقية المشيعين المنتظرين خروج التابوت!...

ورأى الفرنسي صديقه فابتدره محملقاً في وجهه:
- مالك أصفر الوجه؟!..
فلم يجب محسن بغير قوله:
- اذهب وادفن زميلك، أما أنا فإني أنتظرك في قهوة الدوم!...
واختفى سريعاً قبل أن يترك لأندريه وقتاً للكلام..

جلس محسن وصاحبه أندريه في قهوة الدوم بحي مونبارناس، وهي ملتقى أهل الفن: من مصورين ومثالين وشعراء وهي من أجل ذلك أصبحت ذات شهرة وصيت وهبط في ذلك العام سعر الفرنك الفرنسي، فهبط باريس سائحون كثيرون، أغلبهم من الأمريكان، انتشروا كالذباب في كل مكان!..
وطلب محسن قدحاً من عصير البرتقال، جعل يرشف منه في بطء من خلال ذلك العود المجوف من القش..

كان الجو خانقاً عصر ذلك اليوم، ورطباً ثقيلاً.. وأخذ محسن يتأمل لون الشراب الأحمر لحظة ، ثم ما لبث أن ارتعد جسمه فجأة..
لقد تذكر حلماً غامضاً رآه الليلة الماضية.. قد يكون كابوساً.. لا.. لم يكن بالضبط كابوساً، لأنه لم ير فيه شيئاًَ مزعجاً ، أو شيئاً مبالغاً فيه.. لقد كانت أحداثه طبيعية ، ومنطقية..
لقد رأى محسن نفسه متهماً بجريمة قتل، ورأى ضحيته رجلاً يجهل اسمه، وشخصيته..
أي سلاح استخدمه في جريمته؟!.. ولأي سبب كان كل هذا؟ .. هو لا يعلم شيئاً.. كل ما يعلمه، أنه كان متهماً، وأن يديه، كانتا ملطختين بالدماء، ومكبلتين بالأغلال... ثم رأى نفسه يستيقظ من نومه وهو يصيح؛ أنا بريء..! أنا بريء..!

كان الوقت لا يزال ليلاً.. قام فأضاء المكان ليرى يديه.. لمَ كان هذا الحلم؟.. هل هو قاتل حقاً؟ .. ثم ماذا؟!.. ألم يقم بأداء فريضة الصلاة قبل النوم؟..
إن منظر الدم كان شيئاً غير محتمل بالنسبة له.. إنه لم ينس قط بعض أيام الثورة.. ثورة سنة 1919.
لم يكن قد أكمل بعدُ عامه العشرين.. لقد كان أبوه المستشار يريده محامياً.. وكان هو يرى أن رغبته كانت تتجه ناحية الفن، والأدب..

ولذا كانت مهمته في أثناء الثورة تأليف الأغاني الوطنية التي كان يلحنها هو بنفسه، والتي كان يغنيها زملاؤه – شباب القاهرة- خلف قضبان السجن بحماسة، بينما كان هو لا يحمل سلاحاً غير سلاح الحماسة.. لم يكن يحمل – في وسط الزحام- غير قلب مشتعل، وأغان وطنية حماسية..
__________________
ابو الهنوف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2009, 05:57 PM   #2
ابو الهنوف
شعراء الوطن
 
الصورة الرمزية ابو الهنوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: هناااااااااااااااااااك
المشاركات: 931
ابو الهنوف is on a distinguished road
Angry تابع الفصل الاول


لقد رأى يوماً منظراً من قريب بقي أثره مدى الحياة.. رأى جندياً بريطانياً شاباً يقف وحده، وقد لمحه الثوار، فأحاطوا به وضربه واحد منهم بقضيب من حديد على رأسه، فشجه ووقع صريعاً.. الدم كان يملأ وجهه، وقد تناثر مخه في كل مكان.

لقد غشى الفتى محسن عليه واعترته دوخة، وكاد يغمى عليه.. وبينما ظهر الجنود البريطانيون مسلحين بالمدافع الرشاشة، تفرق الثوار في الحواري المظلمة، وبقي محسن وظهره إلى الحائط يحدق فيما يرى..
لقد كان من الصدفة أن الجنود لم تلمحه.. ولما تنبه طار مسرعاً يخطو فوق جثث القتلى في حواري مهجورة..

إن منظر الجندي الشاب المضرج بدمائه لم يترك مخيلته، لقد نسي أنه عدوه.. عدو وطنه.. إنه لم يعد يذكر إلا ذاك المنظر المحزن.. ذاك الموت الفظيع..
وعندئذ تخلص محسن من أحلامه، واستيقظ على صوت أندريه الضاحك..
وطلب اندريه كأساً من البرنو أخذ منه جرعة، ثم التفت إلى صديقه قائلاً:
- أتدري أين دفنوا زوج بنت مدام شارك؟..
- لا أريد أن أعرف أين دفنوه..
- لماذا؟..
فضاق محسن ذرعاً:
- وبعد؟ أخبرني بحق ربك، متى تعتقني من هذا المدعو زوج بنت مدام شارل؟!.. أما كفاك أني صليت على روحه في الكنيسة ونضحته من القمقم المقدس؟!.. آه!.. إن لن أغفر لك هذا التهاون منك.. إنك كنت تعرف أني داخل هذا الحرم المقدس ولا تقول لي حتى أعد نفسي!..
فابتسم اندريه وقال:
- أيها العصفور الشرقي!.. تعد نفسك لدخول الكنيسة؟! ما معنى هذا؟.. إنا ندخلها كما ندخل المقهى.. أي فرق؟!.. هناك محل عام، وهنا محل عام.. هناك الأرغن، وهنا الأوركسترا!..
فلم يلتفت إليه محسن وهمس كالمخاطب نفسه:
- بل هناك السماء!.. وليس من السهل على النفس الصعود في كل لحظة.. إنه لمجهود!..

فلم يَبْد على الفرنسي أنه فهم عن محسن، ولم يكلف نفسه عناء سؤاله . ورفع كأسه، وجرع جرعة أخرى، ثم أشار بطرفي عينيه على أمريكية حسناء، جالسة مع أسرتها على مقربة منهما، وهي لا تفتر عن النظر إلى من حولها من فنانين، ووقعت عيناها آخر الأمر على محسن في ثيابه السوداء، فغمزت من معها وهمست إليهم بكلام!..

ولحظ محسن نظراتها، فقال لأندريه في صوت منخفض:
- لماذا يرمقونني هكذا؟!..
- يحسبوك من أهل الفن، بهذه القبعة وهذه الملابس!..
- إنهم ينظرون إليّ كما ينظر الانسان إلى طائر غريب!.. أو لم يروا فنانا قط؟!.. يخيل إليّ يا أندريه أن هؤلاء الأمريكان قوم خلقوا من الأسمنت المسلح: لا روح فيهم، ولا ذوق، ولا ماضي!.. إذا فتحت صدر الواحد منهم وجدت في موضع القلب "دولاراً"!.. إنهم ليأتون إلى هذا العالم القديم، حاسبين أنهم بالذهب يستطيعون أن يشتروا لأنفسهم ذوقاً، ولبلادهم ماضياً!..
ولم يظهر على أندريه أنه أصغى إلى كلام صديقه كله؛ فلقد كانت عيناه تتبعان الأمريكية؛ فقال:
- أهذه بربك من الاسمنت المسلح؟!.
- لا تطل إليها النظر هكذا؛ وغلا قلت لزوجتك جرمين!..
فهز الفرنسي كتفيه ومضى في إظهار إعجابه:
- تأمل هاتين العينين الزرقاوين كأنهما في لون زرقتهما بحيرتان من بحيرات الجنة!..
- كلا.. بحيرات الجنة في لون الفيروز!..
- أيها المفتون!.. إنك لا ترى غير عيني فاتنتك التي لا تعرف اسمها!!..
فنظر محسن إلى الفضاء، باسماً سابحاً بخياله، ثم قال:
- أعرف صوتها؛ وهذا ليس بالقليل.. ليلة الأمس في الأوبرا...
- كنت في الأوبرا؟..
- اطمئن.. أعلى التياترو.. وسمعت صوتها.. أعني صوتاً كصوتها.. كل صوت جميل هو صوتها.. سمعته يغني:

"قلبي يتفتح لصوتك ، كما تتفتح الأزهار لقبلات الصباح"!
__________________
ابو الهنوف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2009, 06:00 PM   #3
ابو الهنوف
شعراء الوطن
 
الصورة الرمزية ابو الهنوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: هناااااااااااااااااااك
المشاركات: 931
ابو الهنوف is on a distinguished road
Angry الفصل الثاني

جلس محسن كعادته كل صباح إلى مائدة المطبخ، في المنزل الذي يقطنه، آمناً شر البرد القارس في الطريق، مستعذباً نقر المطر على زجاج النافذة، كأنه نقر أطفال على طبول صغيرة، وقد وضع على رأسه قلنسوة مصرية من الكستور، وفتح أمامه كتاب الجمهورية للفيلسوف أفلاطون، وأمسك سكيناً جعل يقشر بها بصلا، وبين آن وآن يلتفت إلى طفل في الرابعة، يلعب في أحد الأركان متقلداً سيفاً زائفاً مما يلعب به الأطفال، ومصوباً مدفعاً صغيراً من الصفيح نحو أعداء وهميين من الألمان. وكان الطفل يثرثر ويصيح، موجهاً الكلام: تارة إلى أعدائه، وتارة إلى جدته العجوز الواقفة أمام النار، تهيئ مرقاً من لحم البقر، وهي لاهية عنه وعما يقول.. وأخيرا التفت إليه وسألته:

- ألست جوعان يا جانو؟..
- نعم.. إني أحارب البوش.
فقالت جدته في تحمس:
- نعم!.. قاتل البوش يا جانو!... ولا تبق منهم أحداً على وجه الأرض!...
فرفع محسن رأسه مستغرباً هذه الكلمة، وقال:
"البوش"؟!... من هم "البوش"؟...
فابتسمت العجوز وقالت:
- هم الألمان.. نحن – عامة الفرنسيين- نطلق عليهم هذا الاسم!...
وصاح جانو:
- نعم هم الألمان.. جدتي!... لماذا هم يسمون بالبوش؟...
فتفكرت المرأة قليلاً ، ومل يسعفها علمها المحدود، وقالت:
- لست أدري!..
وأسرعت فغيرت مجرى الحديث ناظرة إلى محسن مبتسمة لانهماكه في عمله:
- برافو يا مسيو محسن!.. إنك لبارع حقاً في تقشير البصل!..
فقال محسن دون أن يبدو في نبراته تهكم أو تلميح:
- براعتك يا سيدتي في الغناء والعزف على البيانو!..
فابتسمت، ولم تدرك مراده وقالت:
- يا لك من فتى متملق!..

وأخفى محسن في نفسه ابتسامة لذكرى ذلك اليوم الذي هبط فيه هذا المنزل فقد أرادت هذه المرأة أن تدخل على نفسه السرور، وتملأ المنزل بهجة ومرحا؛ فأرسلت في طلب جرمين، زوجة ابنها، وأجلستها إلى البيانو وأخذت هي في الغناء بصوت لم يعرف له محسن أصلاً من الأصول! وإذا الغناء ينتهي بصيحة، ظنها محسن داخلة في تركيب النغم!.. ولكنها كانت صيحة شجار، دب فجأة بين الحماة وزوجة ابنها، واستفحل أمر الخلاف بينهما إلى حد أزعج الفتى، فما راعه إلا غطاء البيانو يغلق في عنف.. وزوج الابن تقوم إلى قبعتها ومعطفها، فتضعها عليها وضعاً في غضب، وتذهب نحو الباب تريد الانصراف. وانقلب المنزل في لحظة شر منقلب، وامتلأ – لا بالمرح والبهجة والسلام- ولكن بالكدر والكرب! وما من سبب ظاهر استطاع محسن أن يستخلصه لكل هذا... منذ ذلك اليوم ومحسن يحسب حساباً لعزف العجوز وغنائها.. وإذا عزفت مرة أو غنت رفع عينيه إلى السماء، وسأل المولى حسن الختام!..

الفتت العجوز مرة أخرى إلى محسن وإلى البصل، ثم قالت باسمة:
- لا بأس!... لك عندي ثمن عملك هذا يا مسيو محسن!.. أتدري ما هو الثمن؟.. سأعزف لك أغنية على البيانو!...
فلم يملك محسن نفسه وقال:
- أتسمين هذا ثمناً؟!.
ثم استدرك وقال سريعاً:
- أية أغنية؟.. ينبغي أن نتفق على الأغنية أولاً..
فقالت المرأة:
- الأغنية التي تحبها، تلك التي قلت لي إنك سمعتها في دار الأوبرا...
فاهتز محسن في كرسيه، وأنشد على الفور مطلع أغنية "سان ساينس":
"قلبي يتفتح لصوتك كما تتفتح الأزهار لقبلات الصباح!..".
فنظرت إليه المرأة في عجب:
- ما أشد حبك للموسيقى!...
- إنها في دمي!..

قالها محسن في بساطة تنم عن حقيقة عميقة، وفي لهجة تشير عن غير قصد – إلى ماضيه بأكمله!... ثم تناول السكين، واستأنف تقشير البصل، وهو يصغي في أعماق نفسه إلى أنغام تلك الأغنية ليلة أنشدتها "تينون فالان" الشهيرة، في أوبرا باريس منذ شهرين... ليلة جميلة عجيبة لا ينساها محسن، فقد رأى فيها ما لم ير من قبل، وسمع ما لم يسمع! ولقد أراد في تلك الليلة أن يتشبه- لأول مرة- بالموسرين، فاستأجر مقعداً في صفهم، وهو لا يعلم أن ذلك يستلزم لبس ثياب السهرة الرسمية، ونبهته العجوز، فحار في شأنه؛ إذ ليس لديه هذا اللباس. ورأى آخر الأمر أن يلجأ إلى الحيلة؛ فاشترى صدر قميص أبيض منشى، ربطه على صدره رباطاً وثيقاً، بخيوط "الدوبارة"، ثم أتى بأكمام منشاة ربطها كذلك حول معصميه.. وارتدى ملابسه العادية السوداء فوق هذا كله والعجوز تنظر إليه وتقول: "لو أنه حدث الليلة حادث استدعى خلع ملابسك لوجدوا فيك عجباً: إنساناً مربطاً بالخيوط من الداخل "كطرد البريد!.." وحان الوقت، ودخل محسن الأوبرا، فما تمالك أن وقف مشدوهاً: أية عظمة وأي ثراء يشعران بالدوار؟!.. وأي أنوار؟!..

عندئذ أدرك من فوره معنى مجسماً لكلمة "الحضارة الغربية الكبرى" التي بسطت جناحيها على العالم!...
نعم، ما كل هذا البذخ والإغراق في الترف، إلى حد الكفر والفجور والاستهتار؟ لكأنما جاء القوم- وأغلبهم من سراة الأمريكان- إلى هذا المكان يتساجلون الغنى والسعة وكبرياء المال، أكثر مما جاءوا يلتمسون لذة التطهر والخضوع في حضرة الفن، أو لذة العودة إلى الإنسانية والروح على يد الموسيقى!.. وصعد محسن سلّم الأوبرا المشهور، وهو يتصبب خجلاً بين الصاعدين من أصحاب الفراء الثمين، والقبعة العالية، والقميص المنشى الحقيقي، والسيدات الأنيقات في أثواب الليل البراقة، والحلي المتألقة؛ كانهن الشموس في عالم الماس.. وخيل إلى محسن أنه قد دخل بين هؤلاء القوم بالغش والتدليس، وأن هذا السلم الشهير يأنف من حلمه وقد مرت عليه السنون، وهو يحمل الجاه والمال في العالم قاطبة. ولعله المكان الوحيد الذي لا شك قد وطئَته أقدام جميع الملوك، فليس ببعيد أن يغضب السلم في هذه اللحظة ويزلزل بـ محسن صائحاً: "لم يبق على آخر الزمان إلا أن يطأني، بنعله القديم، مثل هذا الصعلوك القادم من الشرق!..". وتصور محسن أن خيوطه قد تحل لسبب من الأسباب، فيسقط الصدر المنشى على الرخام ، وسط أولئك القوم المترفين فتكون الفضيحة!..

كانت ليلة أحس فيها الحرج والمذلة، وعلم أن ثمرات الفن إنما هي أيضاً حق ووقف على طبقة الأغنياء، وأن الطريق إلى الاستمتاع الروحي ينبغي أيضاً أن يفرش بالذاهب. وتمثلت له تلك الجمهورية الجميلة التي تخيلها الشعراء والفلاسفة في كل زمان: جمهورية لا تعرف الفقر ولا تعرف الغنى لأنها لا تعرف الذهب، وتعرف السلام لأنها لا تعرف الجشع.. الكل فيها مثل فرد واحد.. الكل فيها يعمل، والكل يأكل، والكل يقرأ وينعم، والكل يلعب ويمرح.. أما الذهب، فإنهم يصنعون منه مصابيح الطرقات وحوافر الجياد.. يا للسماء!... أوَ مستطاع لمثل هذا الحلم الجميل أن يتحقق يوما، على هذه الأرض؟!..

وتنبه محسن قليلاً، وترك تأملاته، ورفع رأسه؛ فألفى السكون قد هبط على هذا المنزل الريفي الصغير، ولم يسمع إلا صوت لغط الدجاج في الحديقة، وصياح الديكة وهرج الإوز، ثم ثرثرة جانو مخاطباً لعبه بين آن وآن... وكأنما سئم جانو اللعب آخر الأمر، فنهض ودنا من المرأة صائحاً في لهجته الصبيانية:
- جدتي!.. الدجاجة الحمراء تبيض اليوم..

فأجابت جدته في تقطيب:
- جانو!.. إني لا آذن لك في الذهاب إلى الدجاج بمفردك..
- سأذهب مع مسيو محسن..
- لن تذهب اليوم!.. إن المطر ينهمر في الخارج والبرد شديد!...
- وماذا أصنع الآن؟..
- حارب البوش!..
- حاربتهم..
- قص على مسيو محسن كيف أراد الألمان أن يدمروا باريس!.. ألا تذكر ما قلته لك عن هذا؟..
- نعم.. إني أريد أن أعود إلى منزلنا!..
- منزلكم خاو الان، وليس به أحد.. أنت تعلم أن أباك وأمك لا يرجعان من المصنع قبل الغروب!..

ودمدم الطفل وتبرم في صوت كالبكاء، ثم مشى في بطء إلى حيث يجلس محسن، وجعل ينظر إليه، ثم مد يده الصغيرة إلى الكتاب المفتوح فوق المائدة، وطفق يقلب صفحاته باحثاً عن صورة فيه. ولم يتحرك محسن؛ فقد كان عقله مشغولاً، ونظراته جامدة، لا تتجه إلى شيء بعينه؛ إنما كان يتساءل في أعماق نفسه:

أليس في كل فرنسا أمهات يلقن أطفالهن كراهية الألمان؟... ومن يدري؟.. لعل كل نساء ألمانيا يعلمن أطفالهن كذلك بغض الفرنسيين!.. ولتكن الأسباب ما تكون.. بأي حق تستطيع أم أن تنشئ ولدها على العداوة والبغضاء؟...

ولكنه هو أيضاً نُشِّئ على الكراهية.. كراهية الإنجليز.. أنه لن ينسى قط صورة أبيه الشاحبة حين دخل البيت – ذات مساء- مضطرباً، متأثراً...
كان محسن يسمع المستشار من فتحة الباب يخاطب زوجه، ويقول : إما التخلي عن الوظيفة.. وإما التخلي عن ضميري كقاض.. إن أكل العيش أصبح مهدداً..

__________________
ابو الهنوف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2009, 06:01 PM   #4
ابو الهنوف
شعراء الوطن
 
الصورة الرمزية ابو الهنوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: هناااااااااااااااااااك
المشاركات: 931
ابو الهنوف is on a distinguished road
Angry تابع الفصل الثاني

كانت أم محسن عملية، متيقظة، فأحست بانتفاضة.. كانت طبيعتها متغيرة، متناقضة.. فهي شجاعة، ومع ذلك تراها خائفة.. وهي رحيمة وقاسية.. قوية وضعيفة.. وهي تحب العظمة إلى أبعد الحدود، ولكن العظمة التي لا تكلف صاحبها شيئاً كثيراً، والتي لا تتطلب التضحية، ولا التي تهدد الحياة، ولا حتى الأرزاق..

كانت تفهم معنى الكلمات الرنانة مثل: الضمير – الحكمة – الشجاعة...
وحالما علمت أن ضمير زوجها القاضي، كان ألعوبة، لم تتردد في أن ترتفع بأفكارها .. ناسية في هذه اللحظة ما يترتب على فقدان المركز، فأعلنت رأيها لزوجها قائلة: إن ضمير القاضي وشرفه قبل كل شيء...

لقد كانت تعلم كل ما يدور حول هذا الموضوع... والناس يتكلمون عن قضية في الاستئناف... والهمس يدور في كل مكان.. "إن القضية مؤامرة من مؤامرات الإنجليز" ضد مدير أحد أقاليم الدلتا الذي اتهموه بالكبرياء...

وكان المدير ابناً لإحدى الأسر الغنية في الوجه القبلي، تلقى علومه في "أكسفورد"، وعاش مدة كبيرة في أنجلترا، وكان يحبها مثل ما يحب بلاده، بل كان يحب كل ما هو إنجليزي..
وجاء إلى بلده، فكان يرسل ملابسه مرتين في الشهر إلى إنجلترا لغسلها وكيّها... ثم عين يوماً مديراً لإحدى محافظات الوجه البحري- وهناك اكتشف لأول مرة وجه الانجليزي الحقيقي..

لم يكن ذلك الجنتلمان الذي عرفه في إنجلترا "رجلاً محبوباً وشريفاً". لقد أصبح كائناً آخر، ذا خلق يتعارض مع مثيله الإنجليزي في بلاده.. إنه الحاكم الذي يفرض سلطانه، ويصدر أوامره على أكبر الشخصيات المصرية... إنه لأمر عادي أن يستقبل المدير – وهو موظف كبير- أي موظف إنجليزي صغير يمر بالمحافظة...

وكان هذا المدير – صديق الإنجليز- غير جاهل هذا التقليد المهين، ولكن الشيء الذي كان يجهله أن ذاك الإنجليزي المحتل لا يقر صداقته للمصري... إن قاموسه لا يحوي غير كلمتي "سيد وعبد"...
إن المدير، كان قد قرر الاستقالة، ولما علم الإنجليز بذلك لفقوا له تهمة.. فاتهموه ظلماً بأنه عذب بعض المتهمين في قضية للحصول على اعترافات منهم، وهذا عمل غير مشروع في قوانين الإنسانية، والقوانين المدنية!!...

لقد كانت عمليات ظاهرها الرحمة، وباطنها الانتقام من شخص أرادوا إذلاله.. فباسم الإنسانية يهاجمون أعداءهم ويحاكمونهم... هذه كانت طريقة الإنجليز التي يتقنونها...
وكان – في الحقيقة – مديرنا يجهل كل هذا التدبير.. إن الجناة يبرّءون، والأبرياء يصبحون جناة، وهم في كل ذلك لا يعدمون الوسائل..

وكان أبو محسن مكلفاً بالنطق بالحكم في هذه القضية. وبعد أن حقق القضية جيدا، ورأى الجروح المفتعلة في أجسام المصابين، وعلم حقيقتها.. خافوا ألا تكون هذه أدلة قاطعة ، فجاءوا إليه بمن يسر في أذنه ويقول له: "يجب أن يكون حكمك مديناً للمدير، وإلا..".

وكان القاضي يعلم يقيناً ببراءة المدير، كما كان الرأي العام يعرف ذلك..
وجاءت الوعود بعد التهديد لعلها تفيد... فقد لمحوا له بالإنعام عليه بالرتب والنياشين في غداة الحكم..
فماذا عساه يفعل...؟
لذلك، كانت أم محسن تتغلب على نزعتها، وطبيعتها وتقول لزوجها: احكم بحسب ضميرك يا عزيزي، وليكن ما يكون...
وحكم القاضي بالبراءة... ولكن هذا لم يمنع المعتدين من أن يجدوا نصاً قانونياً عاونهم على تحويل القضية إلى قاض آخر يتعاون معهم على إدانة المدير، والذي أصبح بعد تلك القضية زعيماً من زعماء الثورة المصرية...

***

وتنبه محسن من تأملاته وذكرياته... فقد انتشرت في المكان رائحة شواء شهي، فرفع بصره، فألفى المرأة تخرج من الفرن فخذاً من لحم البقر، أخذت تدهنه بالزبد وهي تقول:
- سيحضرون هذا المساء في الساعة السابعة للعشاء!..
فقاطعها جانو صائحاً في فرح:
- وهل جيزيل ستحضر أيضاً يا جدتي؟..
فابتسمت المرأة والتفت إلى محسن غامزة بعينها:
- بالطبع ستحضر جيزيل مع والديها!..
فتهلل وجه الطفل، وطفق يثرثر كالببغاء، وابتسم محسن متذكراً أيام الطفولة الأولى!..

***


دقت الساعة الواحدة في مصانع كوربفوا القريبة، فأسرعت المرأة إلى قاعة الأكل وجعلت تهيئ مائدة الغداء، وسمع صرير مفتاح في الباب الخارجي، ثم بدا في الدار شيخ، ما كاد جانو يسمع صوت نعله وسعاله حتى انطلق نحوه يجري ويصيح:

- جدي حضر...! جدي حضر...!
ودخل الرجل المطبخ، ونشر مظلة في يده بللها ماء المطر، ومد يده إلى النار، وهو يحادث زوجه في شؤون المعاش بعبارات يقطعها سعال عنيف.. وأصغت إليه المرأة حتى فرغ من حديثه، فقالت له في صوت اليائس:
- صفوة القول، ليس لنا أن نأمل في عمل بأحد المصانع، أليس الأمر كذلك؟..
- الوقت عسير يا عزيزتي، والمصانع لا تريد أن تمنح أمثالنا القوت ، لأن لديها حاجتها من العمال.. من أولئك العمال المساكين الذين تسخرهم طول اليوم من أجل لقمة كالعبيد!..

- وماذا نصنع نحن إذن؟... ينبغي أن تذكر أو ولديك أندريه ومارسيل لن يستطيعا بعد اليوم إمدادنا بالمال فلقد اعتزم اندريه إلحاق جانو بمدرسة داخلية وفي هذا باب جديد للنفقات سيتكلفه المسكين، كذلك مارسيل يتكلف الباهظ من المال منذ عام في الإنفاق على تعليم جيزيل!..
فأطرق الرجل ملياً.. ثم قال:

- صدقت!.. ليس لنا إذن من مورد إلا..
والتفت يمنة ويسرة باحثاً عن محسن بعينين خابيتين تحت المنظار.. وأدركت المرأة مراده، والتفتت إلى مكان محسن من مائدة المطبخ فوجدته خالياً فقالت:
- عصفور الشرق صعد إلى حجرته من غير شك، كي يضع كتابه ويتهيأ للغداء... نعم ليس لنا من مورد إلا ما يدفعه هذا الشاب..
صمت الرجل لحظة متفكراً، ثم قال:
- أترى تطول إقامته بيننا؟..
- من يدري؟.. لقد قال لي ذات يوم إنه سيمكث عامين أو ثلاثة.. آمل ألا يسأم حياة الريف، ويفر على باريس!..
فظهر القلق على وجه الشيخ، ثم نظر مفكراً إلى النار المتأججة في الوجاق، وقال كمن يدخل على نفسه الاطمئنان:
- كلا ؛ إنه فيما يبدو لي، شاب لا يميل إلى اللهو كسائر الشبان!...
- حقيقة، إنه لا يحب سوى المطالعة والتأمل والموسيقى، لكن من يدري إن كان يلبث فينا كل مدته؟.. ليس لنا إلا نأمل!..
هز الرجل رأسه وأطرق صامتاً، ثم دس يده في جيبه، وأخرج لفافة تبغ، وجاء جانو يجري وقفز إلى ساق جده فامتطاها، كما يمتطى الحصان، وطفق يحدثه بمجيء جيزيل المنتظر!..
__________________
ابو الهنوف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2009, 06:02 PM   #5
ابو الهنوف
شعراء الوطن
 
الصورة الرمزية ابو الهنوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: هناااااااااااااااااااك
المشاركات: 931
ابو الهنوف is on a distinguished road
Angry الفصل الثالث

فرغوا من الغداء، وانصرفت المرأة إلى الأواني والأطباق تغسلها في المطبخ وتتأهب للعشاء، وجلس زوجها على مقربة منها يدخن ويطالع جريدة الأومانيتيه – الانسانية- المنتشرة في طبقة العمال وأهل الفاقة...

وخلا جانو إلى لعبه ومدافعه وحربه الضروس، وأغلق محسن حجرته عليه، ووضع كتابه أمامه وقرأ صفحتين، ثم جمدت عيناه على الكتاب، ولم يعد يقرأ أو يبصر شيئاً؛ فقد ترك الحجرة، وغادر الأرض وضل في بحار التأملات!...

وأقبل المساء أخيراً، ورن جرس باب الحديقة، فترك جانو لعبه وأسرع نحوه، ثم لم يلبث أ، صاح في فرح:
- ماما حضرت!.. بابا حضر!..

وظهرت امرأة في مقتبل العمر، جذابة الوجه، تعلق بها جانو، وهي تدفعه عنها في رفق، وخلفها زوجها أندريه، وعليهما هما الاثنان- مظاهر التعب والقوى المنهوكة. ومسحت العجوز يديها في فوطة المطبخ التي ترتديها، وأقبلت على زوج ابنها تعانقها، وتتأمل وجهها وتقول في حسرة متصنعة:

- إنك متعبة منهوكة القوى يا جرمين!...
فأجابت الزوجة وهي تنظر إلى زوجها الشاب:
- إننا لم نخرج من المصنع إلا الساعة!..
واتجهت العجوز إلى ابنها تعانقه، وتصيح في حرارة حقيقية:
- وأنت أيضا يا أندريه!... ما كل هذا الشحوب؟!...
- إننا يا أماه نعمل ثماني ساعات في النهار!..

قالها أندريه وهو ينظر إلى أبيه، وكان أبوه قد طرح الصحيفة من يده واتجه إلى جرمين وجانو يباسطهما. فلما سمع قول أندريه صاح في حدة:
- يا لها من وحشية!.. إن هذا لم يعد يسمى عملاً، إنما هو الاسترقاق... الرق لم يذهب من الوجود... لقد اتخذ شكلاً آخر يناسب القرن العشرين... ها هي ذي جيوش من العبيد يسخرها أفراد معدودون من السادة الرأسماليين!..

ورفع جانو بصره إلى جده، ولم يدرك سبباً لحدته!..
وحانت من أندريه التفاتة إلى الصحيفة الملقاة على الأرض ، فابتسم وقال:
- أهذا ما قرأته اليوم في الأومانيتيه يا أبتاه؟...
فأجاب الرجل في جِد وحدة:
- نعم أوليس هذا هو الحق؟!..
- من غير شك هذا هو الحق، ولكن ماذا نصنع نحن الفقراء؟..
- ينبغي أن تنقص ساعات العمل على الأقل، حتى تستردوا بعض حريتكم، وبعض وقتكم، وحتى تنقذوا ما بقي لكم من صحتكم، وحتى نجد لنا – نحن العاطلين – عملاً وكسبا نسد به الرمق!..
- إنك تجهد نفسك في الكلام يا أبتاه!. لقد قلت الحقيقة: نحن عبيد القرن العشرين، ومتى كان للعبيد حق الاعتراض أو حتى الاقتراح؟!..
وأراد الشيخ أن يجيب، ولكن جانو تململ ونظر إلى والديه وإلى جدته وصاح:
- لماذا أبطأت جيزيل؟...

وجعل الطفل يجذب ثياب أمه ملحاً في السؤال ، فضربت الأم على يده الصغيرة في لطف، وخلصت ثيابها منه. وأرادت جدته أن تقصيه فقالت له:
- اذهب وجيء بمسيو محسن؛ فقد أزف ميعاد العشاء!..
وتنبه أندريه فسأل على الفور:
- أين عصفور الشرق؟.. لقد فاتني أن أسأل عنه ساعة دخولي؟!..
- في حجرته!..
فاتجه أندريه نحو سلم الدار، ثم عاد يقول:
- لست أرى نوراً في حجرته!..
فأجابت الأم العجوز، وهي تقطع رغيفاً طويلاً من الخبز:
- إنه في حجرته.. جالس إلى مكتبه. وطالما يفاجئه المساء، وهو أمام كتابه بلا حراك، وكثيراً ما أدخل حجرته فأجد الظلام مخيماً عليه، وهو جالس جامد كالتمثال؛ فأدير له مفتاح الكهرباء!..
- إنه غريب الأطوار!.. إني أعرفه حق المعرفة!..
وعندئذ دق جرس الباب الحديدي، فمرق جانو من بين الجميع إلى الباب، وهو يصيح كالعصفور الصغير:
- جيزيل!..
***

اجتمع الكل حول المائدة، وكانوا قد انتهوا من العشاء منذ قليل، ولبثوا في مقاعدهم يتحدثون عن الاشتراكية، وقد فشا أمرها في باريس، وأمست بدعة من البدع يتبعها الناس مقلدين.. إن الحياة أمست عسيرة، وإن سعر الفرنك هوى إلى الحضيض، وإن فرنسا الآن فريسة أصحاب المال الأمريكيين، وإن هؤلاء الأمريكان قد بلغ من عتوهم واعتدادهم بثرائهم أن الواحد منهم لا يوقد سيكارة إلا بورقة مالية مشتعلة، تحت أنظار الشعب الفرنسي الفقير!.. هنالك صاح زوجها الشيخ في غيظ:

- يا لهم من أنذال!!..
ثم استطردت العجوز فجأة، وكأنها استكشفت شيئاً:
- لا ريب في أنهم السبب في غلاء أسعار الخضر واللحم والفاكهة!..
وألقت نظرة استفهام على الحاضرين، فإذا هي ترى جانو وابنه عمه جيزيل قد جلسا متلاصقين يأكلان الجاتوه ولا يكفان عن الكلام!..

ونفذ نصيب جانو فجعل بنظر إلى جيزيل التي تكبره بعامين، وهي تأكل في تؤدة وكياسة. وفطنت الطفلة على فمه العاطل، وإلى نظراته الطامعة، فما ترددت، وتقدمت إلى صديقها بكل ما بقي لها... ولم يأب عليها جانو، وقبل منها هديتها، وطفق يلتهم ما أعطته إياه، وهو ينظر إليها بعينين باسمتين، كلهما اعتراف بالجميل، كلنه لم يقل شيئاً.. هنالك تجهمت له جدته وصاحت به:

- جانو!.. ألا تقول لها شيئاً؟!..
فالتفت الطفل إلى جدته في سذاجة:
- أقول ماذا؟..
- تقول ماذا؟.. تقول ما يقول الناس عندما يتقبلون شيئاً من الغير؟..
- ماذا يقول الناس؟..
- يقولون: شكراً، ولقد علمتك ذلك ألف مرة...

ثم التفتت إلى والدي الطفل في قنوط:
- لم يبق لي جلد على تهذيب هذا الغلام، وإني أصارحكما القول: هذا ليس عملي، إنما هو من عمل الأبوين، وما دمتما تتركان لي ابنكما طول النهار، وتنصرفان إلى المصنع، فلا أمل في أن ينشأ ولدكما على الخلق القويم!..
فأجاب أندريه في غير اكتراث:
- وهل تظنين يا أماه أن هذا من عملنا نحن؟.. هذا من عمل المدرسة، وسندخله المدرسة؛ أما نحن فلدينا عمل آخر كما تعلمين!..
- نعم .. المصنع!..
فقال الشيخ في تهكم:
- بالطبع .. المصنع!!..
فهزت جرمين كتفيها، فقالت العجوز في حدة:
- لا تهزي كتفيك يا جرمين!.. إياك أن تنسى لحظة أهمية تأثير البيت.. في زماننا كان البيت هو كل شيء!.. آه لقد ذهب كل شيء طيب بذهاب زماننا!...
فقال أندريه وأخوه مارسيل في وقت واحد:
- أين هو البيت اليوم يا أماه؟..
فتأملت العجوز قليلاً هذا القول منهما، ثم أجابت:
- صدقتما، لم يعد هنالك بيت واأسفاه! ولم تعد هنالك أسرة... الرجل والمرأة في المصنع طوال النهار!.. يا له من زمن عجيب!...
فقال الشيخ في قوة واقتناع:
- قلت لكم هذا عصر العبيد قد عاد من جديد!..

وانتبه محسن لهذه العبارة، فلمعت عيناه ببريق غريب، ثم لم يلبث أن استأذن من الحاضرين في الصعود إلى حجرته، فأذنوا له باسمين، فصعد وجلس إلى مكتبه في الظلام، وهو يهمس:
-" نعم، لن يذهب الرق من الوجود.. لكل عصر رقه وعبيده!...
__________________
ابو الهنوف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2009, 06:04 PM   #6
ابو الهنوف
شعراء الوطن
 
الصورة الرمزية ابو الهنوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: هناااااااااااااااااااك
المشاركات: 931
ابو الهنوف is on a distinguished road
Angry الفصل الرابع

لم يمكث محسن طويلاً غارقاً في تأملاته؛ فقد ضُرب عليه الباب فانتبه، وإذا بصديقه أندريه وزوجته جرمين يصيحان به:
- عصفور الشرق وحيد في القفص!...
فقال محسن كالمخاطب نفسه:
- إني دائماً في قفص!..
فقال أندريه في ابتسامة خبث:
- في قفص الحب سجين أيها المسكين!..
- نعم سجين!..
- أتعترف بهذه السهولة؟...
- وما فائدة الانكار؟...
- ولماذا لا تنطلق حراً مغرداً في فضاء الحب؟...
فأسرع أندريه قائلاً:
- إنك تطلبين المستحيل.. إنه سيظل دائماً هكذا.. أنه حتى الآن لم ينجح حتى في الوصول إلى معرفة اسمها...
فقالت جرمين في ضحكة خفيفة:
- لم يعرف بعد اسمها؟!.. حقاً إنه لمحب خائب!..
فاتخذ وجه محسن لون الجد الصارم، وقال في هدوء وموافقة واقتناع:
- أما أني محب خائب، فهذا صحيح، ولا محل للجدل فيه، وقد أعيتني هذه الخيبة في كل زمان ومكان!..
فقال أندريه سائلاً:
- ألم ترها اليوم؟..
- لم أرها منذ أسبوع، ولم أنصرف إلى غير مطالعاتي.. إن الكتب تستطيع أن تشغل رأسي حقيقة، لكن هل الرأس هو كل شيء في حياة إنسان؟.. آه!.. إن أجمل لحظاتي ساعة أقف أمامها أنتظر، وأنا أعلم أنها لن تلقي إليّ بكلمة تسر خاطري.. مرة واحدة نبذت إليّ عفواً بنظرة، وقالت لي:
أما تزال واقفاً هنا؟!.. أي مخلوق أنت؟!..
- وما قصدها من هذا؟..
- لست أدري!.. فسر هذه الجملة كما تشاء.. أما أنا فقد فسرتها طبعاً لمصلحتي.. إني أحب هذه العبارات المبهمة التي أتخيل معناها كما أشاء!..
- إنك رجل خيالي ، وهذه مصيبتك!..
قالها أندريه وهو ينظر إلى جرمين، فأمنت على قوله برأسها وأضافت:
- من غير شك، لا سبب عندي لفشل محسن غير أنه خيالي أكثر مما ينبغي؛ والمرأة لا تقنع بالخيال، بل بالحقيقة...
فلم يعترض محسن وقال في إذعان:
- واين هذه الحقيقة؟.. دلاني على هذه الحقيقة التي أكسب بها عطف المرأة؟!..
فقالت جرمين:
- أتريد أن تعلم أين تجد هذه الحقيقة؟..
- نعم أخبريني أين هي، وأنا لا أنسى لك أبداً هذا الجميل!..
- إنها تشترى بالثمن!...
- كم الثمن؟.. كل حياتي فيما أعتقد!..
- بل عشرون فرنكا فقط...
- أتمزحين؟..
- بل أقول جداً.. عشرون فرنكا فقط تشتري بها من حانوت شارع هوسمان زجاجة عطر هوبيجان صغيرة وتقدمها إلى صاحبتك في الصباح... هذه هي كل الحقيقة... فهمت؟...
فحلق محسن في الفضاء؛ كأنما قد كشف عنه حجاب، ثم التفت إلى جرمين وقال:
- أحقاً ما تقولين؟..
فابتسمت جرمين وقالت في صوت المتعجب:
- يدهشني أن فتى ذكياً مثلك يجهل هذا!..
- قارورة "هوبيجان" فقط؟!... ثمنها عشرون فرنكا!.. إنك تبالغين يا سيدتي!.. إنها لجديرة بأن أضع تحت شباكها قلبي كله!..
- شباكها؟!..
- لن أقدم إليها شيئاً زهيداً من هذه الأشياء!..
- أين صاحبتك يا محسن؟..
فأجاب أندريه في الحال عن صديقه باسماً:
- قلت لك يا جرمين إنه لا يعرف من هي، ولا يدري عنها شيئاَ!..
فقال محسن، دون أن يخرج عن هدوئه:
- هذا صحيح!..
وازداد عجب جرمين فقالت تسأل الفتى:
- يا للغرابة!.. وأين تراها إذن؟!..
فأجاب محسن:
- أراها في شباكها، تشرف على الناس بعينين من فيروز، وهم يمرون أمامها الواحد تلو الآخر، من كل جنس ومن كل طبقة، فيهم الفقير مثلي، وفيهم الموسر مثل ملك من الملوك.. فيهم الجميل والقبيح، وفيهم العجوز والشاب، وفيهم السعداء والتعساء، وفيهم الأخيار والأشرار، وفيهم الشجعان والجبناء، وفيهم الجريء والخجول... نعم!.. يمر بين يديها كل يوم هذا الموكب، وهي تبسم من شباكها بين آن وآن دون أن يعرف أحد سر قلبها!..
فنظرت جرمين إلى محسن ملياً، ثم قالت:
- أهذه المرأة في باريس؟.. أم في كتاب ألف ليلة وليلة؟!..
وقال أندريه ضاحكاً:
- وهذا الشباك أين هو؟... في أي قصر سحري؟!...
وأردفت جرمين ضاحكة:
- وهل توجد حقاً في باريس تلك المرأة التي يمر بين يديها الناس وهي في الشباك؟!..
فأجاب محسن في هدوء:
- في شباك التذاكر!..
فصاحت جرمين وقد فهمت مراده:
- آه!.. هي عاملة في شباك تذاكر...
- تياترو الأوديون!...
قالها محسن كالحالم، وضحكت جرمين ، وضحك أندريه ثم قال:
- أتسمه نصيحتي يا محسن؟..اذهب غداً وقدم إليها طاقة من الزهر، ثم ادعها إلى العشاء في مطعم من المطاعم!...
فتفكر محسن قليلاً ثم قال:
- وإذا لم تقبل مني طاقة الزهر؟!..
فقالت جرمين من فورها:
- لا يوجد امرأة في باريس ترفض طاقة من الزهر!...
__________________
ابو الهنوف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2009, 06:05 PM   #7
ابو الهنوف
شعراء الوطن
 
الصورة الرمزية ابو الهنوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: هناااااااااااااااااااك
المشاركات: 931
ابو الهنوف is on a distinguished road
Angry الفصل الخامس

- مداموازيل!.. ألم يأت بعد؟..
- من؟...
- ذلك الفتى الذي يضع المعطف الأسود فوق منكبيه..
- لست أدري يا كلوتيلد.. لا أظن أني رأيته اليوم...
- إني أراه دائماً جالساً في القهوة التي أمامنا يطيل النظر إلى هذا الباب!..
- لعله مجنون!..

وعندئذ أقبل رجل في سن الشباب جميل الهيئة ، دخل تواً على عاملة شباك التذاكر، من ذلك الباب الذي كتب عليه بخط كبير: "الدخول ممنوع". فما إن رأته كلوتيلد العجوز حتى تناولت مكنستها، وهرولت إلى عملها، وهي تهمس:
"الرئيس"!...

- من هو المجنون يا سوزي؟..
قالها ذلك الرجل، بعد أن ألقى على الفتاة الجميلة نظرة لا يدرك معناها غيرها!.. فهزت كتفيها ولم تجب، فألح الرجل في شدة وغضب:
- قلت لك أريد أن أعرف من المجنون؟..
فرفعت رأسها ونظرت إليه بعينين متسعتين في لون الفيروز، تزينهما أهداب طويلة شقراء، ثم قالت في صوت لا يدرك معناه إلا هو:
- لست أنت المقصود على أي حال!..
- من إذن؟..
- فتى آخر كنا نتحدث عنه!..
- فتى؟!.
- لست أعرف بعد من يكون، اعتاد أن يأتي كل يوم إلى هذا الشباك، فينتظر حتى ينفض الناس ويخلو المكان، فيتقدم إليّ قائلاً: "بونجور مدموازيل!.."، فأرد عليه التحية، فيقف يطيل إليّ النظر صامتاً ، ثم يتحرك قائلاً: "أورفوار موموازيل!"، ويمضي لشأنه!..
- أحد المعجبين من غير شك!..
قالها الرئيس الشاب في نبرة غريبة.. فأجابته سوزي على الفور:
- بل مجنون.. هذا كل اعتقادي!..
- حسبتك تعنيني أنا!..
- أنت؟!.. لا يا عزيزي هنري.. أنت العقل بعينه.. أنت أعقل مما ينبغي!.. آه يا سيدي .. لقد تبين لي أنك أعقل مما كنت أتصور.. هنيئاً لك!..

قالتها سوزي في إطراق، وفي شيء من الغضب المكتوم. وأطرق هنري أيضاً، وجعلت يده تعبث، بدفتر التذاكر على حافة الشباك، وطال بينهما صمت قطعته، كلوتيلد حارسة المقاصير، صائحة من جوف مقصورة:
- مسيو هنري!.. أنعد مكان الأوركسترا؟..
فانتهز هنري الفرصة ليخرج من موقفه، وأسرع إلى قاعة المسرح، وتوسط صفوف المقاعد وصاح:
- أيتها الحمقاء كلوتيلد!.. الليلة رواية "الأرليزيه"!.. أتريدين "الأرليزيه" بغير موسيقى؟!.. أعدي محل "الأوركسترا" حالاً أيتها الشمطاء!..

وعاد السكون إلى المكان، وأرادت سوزي أن تعود إلى تلاوة قصة "لاجارسون" التي كانت تشغل وقتها الخالي، بقراءتها كلما خفت وطأة العمل؛ لكن شيئاً في رأسها حال بينها وبين الكتاب، فجعلت تنظر في فضاء المكان دون أن تثبت بصرها في شيء بعينه، وحانت منها نظرة عارضة إلى تمثال فولتير الرخامي أمامها في الردهة، وعلى شفتيه تلك الابتسامة الساخرة المشهورة، فحركت أهدابها قليلاً وكأنما راعها شيء منه، لكنها تمالكت ، وهزت كتفيها، وأخرجت من حقيبة اليد بجانبها علبة أنيقة الشكل ومرآة صغيرة، وجعلت تطلي وجهها الجميل؛ حتى ظهرت كلوتيلد تقول في غضب:
- أسمعت شتائمه؟..
فقالت سوزي في غير اكتراث:
- من؟..
فأجابت العجوز وقد استندت إلى مكنستها:
- الرئيس!.. أما رأيت سوء خلقه اليوم؟!.. إنه لا ريب قد حدث بينكما شيء يا مداموازيل سوزي؛ إن خلقه لا يسوء إلا يوم يكون الأمر بينكما...
فتنهدت سوزي تنهداً خفيفاً وابتسمت ابتسامة فاترة ولم تجب!..

***


لبث محسن في مجلسه من المقهى الذي أمامه الأوديون، يحتسي قدحاً من القهوة ممزوجة باللبن، ويتأمل تلك الأعمدة العظيمة التي يقوم عليها بناء المسرح الفخم.. ولا تبرح عيناه الباب؛ كأنما هو باب فردوس، لا يدري أهو من داخليه.. أم كتب عليه أن يظل دونه من الضالين!... ولم يقطع عليه تأمله غير حركة فتى وفتاة من أهل باريس، يتعانقان خلفه، ويقبل أحدهما الآخر علانية؛ كما اعتاد الباريسيون أن يفعلوا غير حافلين بعاذل أو رقيب!... فازور محسن عنهما برأسه؛ غير راض أن تُعرض العواطف هذا العرض في الشوارع والطرقات فتبتذل وهي التي ينبغي لها أن تحفظ في الصدور كما تحفظ اللآلئ في الأصداف... وبينما محسن في تأمله إذا كف قد وضعت على كاهله، فالتفت، فرأى أندريه يتبسم له ويقول :
- ماذا تصنع هنا أمام الأوديون أيها الفتى الشارد؟!..
- أنت؟.. دائما ورائي هكذا!..
- ماذا تفعل هنا؟.. أجب وأسرع.!..
فتردد محسن قليلاً، ثم أشار إلى المسرح قائلاً:
- إني أتأمل هيكل الفن..
فغمز أندريه بإحدى عينيه وقال:
- بل قل هيكل الحب...
- كلاهما واحد.. أحدهما حال في الآخر؛ كالنور في المصباح!...
- أهي هنا؟..
- هي هنا، ورواية الأرليزيه هنا.. آه!... ما أجملها وما أجمل الرواية، نثراً وموسيقى!... هنا في هذا الهيكل قد امتزجت صورتها في نفسي بصدى أنام "الأنتر متزو" ، ورقصة الفراندول!...
- ألم تقدم إليها بعد باقة الزهر أو عطر الهوبيجان؟..
- لا زهر ولا عطر.. إنها أعظم قدراً عندي، وأجل خطراً من أن أقدم لها شيئاً، أو أن أوجه إليها كلاماً!...
فبدا العجب في وجه الفرنسي الشاب، وخيل إليه أنه يسمع ألغازاً وطلاسم لا قبل له بفهمها ، فهز كتفيه مريحاً نفسه:
- تلك ولا شك فلسفة شرقية!..
- وأنت كيف عثرت عليّ؟..وما حضورك هنا الساعة، والعمل في المصنع قائم على قدم وساق؟!..
- لا مصنع ولا قدم ولا ساق.. ألم تقرأ صحف الظهر؟.. قد أضرب العمال في مصانع كوربفوا، أضربنا جميعاً إلى أن يعدوا بالنظر في مطالبنا... وأما العثور عليك، ومعرفة مقرك الآن فليس من المعضلات!..
وابتسم أندريه في خبث، ثم مد يده إلى صديقه قائلاً:
- والآن، هلم بنا!...
فنظر إليه الفتى دهشاً قلقاً:
- إلى أين؟!..
- نحضر اجتماع العمال...
- وما شأني أنا والعمال؟...
- نزهة قصيرة...
- نزهة؟... آه يا سيدي!... بعض عطفك وكرمك!... أخبرني بحقك؛ متى ترحمني من هذا الذي تسميه: "نزهة قصيرة"؟!..
- يسرني دائماً أن تذهب معي...
- وأنا يسرني دائماً أن تذهب أنت وحدك... دعني الآن فيما أنا فيه... إني كما تعلم لست من العمال المتعطلين.. إنك لترى أن لدي عملاً...
- في أي مصنع؟..
- هنا!..
وأشار الفتى بيده إلى المسرح، فضحك أندريه وقال:
- أتسمي هذا عملاً؟!.. آه.. أيها العاشق الشرقي الذي ينفق أيامه في قهوة يحلم، وحبيبته على بعد خطوتين!..

سمع الفتى ذلك من صديقه الفرنسي، فانتفض قائماً، وقد لمعت في رأسه كالبرق صورة من الماضي؛ فرأى قهوة الحاج شحاته في حي السيدة زينب بالقاهرة. وذكر جلوس عمه اليوزباشي سليم الساعات الطوال ببابها، شاخصاً إلى دار محبوبته سنية، آملاً أن يلمح لون ثوبها الحريري الأخضر، خلف المشربية. وأدرك محسن لفوره أنه يصنع الآن في شارع الأوديون عين الذي كان سليم يصنع في شارع سلامة منذ سنوات... أهي المصادفة؟.. أم أن هذا شيء في دمه؟.. لا يدري؛ غير أنه يحس أن قوة ترغمه على الجلوس قرب مكانها، وأنه يحب هذا القرب لذاته...

وعاد محسن فجلس، واتسعت حدقتا الفرنسي دهشة وصاح:
- ألا تستطيع أن تبرح هذا المكان؟..
- إنك ترى بعينيك أني لا أستطيع!..
فأشار أندريه إلى التياترو باصبعه:
- ولماذا لا تذهب إليها فتفاتحها بما في نفسك؟..
- أأنت مجنون؟!..
- أنا المجنون؟!..
لفظها الفرنسي وهو ينظر إلى محسن ولا يجد كلمات يصفه بها، ومضى الفتى يقول:
- يا عزيزي أندريه!.. ما زال في رأسي قليل من الإدراك، يكفي لإفهامي على الأقل أن مثل هذا الجمال، في شباك مفتوح للجمهور، لايمكن أن يبقى حتى الآن في انتظار قدوم هذا الصعلوك الشارد الذي هو أنا!...
- تريد أن تقول إن لها عشاقاً؟..
- ألف عاشق وعاشق، وقد لا يحصون عدّاً... كل من حولها يحبها؛ ذرات الهواء، وهواء الفضاء، ونجوم السماء!...
- كفى خيالاً وشعراَ... تكلم في الواقع.. هل أخبروك أنها تحب أحداً بعينه؟...
- إنها يا سيدي محبة محبوبة!...
- كيف علمت؟!..
- بالفراسة!...
فنضب معين الصبر من صدر الفرنسي وصاح:
- الفراسة أيها اللكع؟!... وهذا بابها، وهذه هي جالسة ، أكاد أراها من هنا!.. أقسم إني لم أر مثل هذا في حياتي!..

فلم يحفل محسن لصياحه، ولم يبد حراكاً، غير أنه أرسل نظرة إلى باب المسرح، وخطر له طيف سليم مرة أخرى، وهو اليوم زوج لإحدى قريباته، وأب لولدين صغيرين. وقد شغل وظيفة عسكرية في مصلحة خفر السواحل، وأصبح ذا جسم ممتلئ وكرش محترم... أما شارباه القائمان فقد هوت بهما الأيام، واتخذت حياة ذلك الرجل الشكل المألوف في حياة الملايين من هذا النمل البشري، وقد ذهبت ساعات جلوسه في قهوة شحاته ولم يبق لها أثر ظاهر في حياته!.. طغى الزمن ببحره الطامي على أحلام الماضي، واختفت صورة سنية من رأس سليم؛ ومع ذلك فهو إن بحث اليوم في أغوار قلبه عن خير ساعات حياته، لما وجد أحلى ولا أشهى من تلك اللحظات ، التي كانت تطير هباء في جلوس طويل، بين اليأس والرجاء؛ شاخص الأبصار إلى نافذة سنية!.. ذلك الانتظار الحلو المر، انتظار شيء جميل يرجو أن يحدث ولن يحدث؛ هو كل ما ظفر به قلب سليم وكل قلب على هذه الأرض، من إحساسات عليا،... ماذا يهم ما يتم من لقاء بعد ذلك بين حبيبين؟!...

إن خفقة القلب التي كانت تهز كل كيان سليم، كلما خطف بصره خيال امرأة خلف المشربية، وذلك الصير الطويل على القهوة في انتظار هذا الخيال؛ هو كل جمال الحب!...

واسترسل محسن في تصوراته وتذكاراته، فنسي أندريه وأدرك القنوط الفرنسي، فرفع يده في حركة عصبية:
- لا!.. حقيقة لا!... إني لا أستطيع أن أنفق عمري جالساً هكذا..إن الزمن شيء لا تعرفونه أنتم معشر الشرقيين، ولا يعنيكم أمره!...
- لقد تحررنا منه!...
فحملق أندريه في محسن ملياً، ثم صاح:
- آه أيها الشرقيون!... أأنتم بلهاء، أم أنتم حكماء؟... هذا ما يحير!...
- تلك عبقريتنا!...
__________________
ابو الهنوف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2009, 06:07 PM   #8
ابو الهنوف
شعراء الوطن
 
الصورة الرمزية ابو الهنوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: هناااااااااااااااااااك
المشاركات: 931
ابو الهنوف is on a distinguished road
Angry الفصل السادس

يروي الجاحظ أن رجلاً دميماً تزوج أعرابية حسناء هامت به، فسل في ذلك فقال: "قرب الوساد، وطول السواد"!...

ذكر محسن تلك الكلمة وهو جالس يرمق أعمدة الأوديون من مكانه بالقهوة ذات صباح، فاهتز في كرسيه ولمعت عيناه فرحا؛ فقد وجد السبيل الذي يسلكه مثله... إنه يعرف نفسه؛ فهو كصندوق مقفل غير مطعم بذهب ولا بفضة، وغير موشى بألوان ولا برسوم، ولا تبهر هيئته ولا تغر... ولكن طول الجوار قد يحمل الصادف عنه، على النظر إليه واستطلاع ما فيه، وهو إن فعل فلا شك واجد في قلبه بعض تلك اللآلئ، التي يبحث عنها الناس، ولكن كيف يدنو منها دنوا متصلا، وهو غير قدير على أن يذهب إليها الآن، ليقرئها السلام، وكيف يجد "قرب الوساد وطول السواد" مع هذه ؟... وهو لا يستطيع أن يظفر من وقتها بخمس دقائق؟... وتذكر – عند ذاك- شارع سلامة بالقاهرة؛ حيث كان يقطن منذ أعوام إلى جوار سنية... حقا لو لم تكن يد القدر قد وضعت مسكنه إلى جانب مسكنها، لما كان لتلك الفتاة مكان في حياته يوماً ما!.. نعم، لا شي اليوم يستطيع أن يخرجه من هذا اليأس غير قرب السكن والجوار "طول سواد الليل، وبياض النهار"!.. ولكنه لا يعرف أين تسكن؟.. وكيف تسكن؟.. أبمفردها؟.. هذا هو الحلم الذهبي!..

لا، هذا مستحيل؛ إن القدر لأقسى من أن يظفره بهذا الحلم.. إنها لا شك تقطن مع أهلها!.. ومع ذلك، ماذا يعنيه من هذا الأمر؟... إنه راض بالقليل؛ يكفيه منها مجرد الشعور في كل حين، أنها هي جارته!... بقى عليه أن يعرف مقر سكنها، وهذا ميسور؛ ما عليه إلا أن يتبع خطاها، وهي خارجة من المسرح في المساء!..

هنا وثب محسن وكأن الأزمة قد انفرجت فهو منذ اليوم، لن يتخذ القهوة مطاراً لخيالاته المحلقة، بلا جدوى، فوق هذا المسرح!.. ولكن سينشط، ويسير في طريق الأمل، على هدى من أمره!.. وفرك يديه ليدفئهما من البرد، ومسح معطفه وقبعته من رذاذ المطر الذي أصابهما، وقام يمشي في الطرقات، يقتل النهار في انتظار المساء، متصفحاً: تارة وجوه حوانيت الكتب، وتارة إعلانات المسارح الغنائية على الحيطان، وحفلات الموسيقى السيمفونية. إنه حتى اليوم لم يكن قد عرف موسيقى بتهوفن معرفة كاملة؛ فإن الحفلات السيمفونية القليلة التي حضرها لم تعقد بعد أسباب الألفة بينه وبين ذلك القلب الكبير. ولم يقنط الفتى!..

فهو يعلم أن الآلهة لا تكشف سرها لأول قادم، وأن الملوك والعظماء لا يظهرون لكل من طرق أبوابهم – إنما ينبغي الصبر الطويل على الجلوس بأعتاب الهياكل وأبوب القصور، والتوسل بالرغبة الصادقة في الوصول؛ فإن الصبر في الفن وفي الحب هو مفتاح الطريق!.. ووقع نظر محسن على برنامج حفلة موسيقية تعزف فيها السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، تبتدئ بعد الظهر، وتنتهي في المساء الباكر؛ فما تردد وأزمع الذهاب..

وجاء الظهر فتغدى في مطعم صغير، ثم أسرع إلى مسرح شاتليه؛ ليصغي إلى ذلك الرجل الذي أصغت إليه أجيال من البشر!... هنالك وجد الفتى المسرح يعج بالناس، فاتخذ له مجلساً متواضعاً في أعلى المكان، وجعل يشاهد من عَلٍ، ذلك البحر العجاج من نساء ورجال في القاعة والشرفات!... ولم يمض قليل حتى ظهر الموسيقي جابرييل بيرنيه رئيس الفرقة : بعصاه الصغيرة ولحيته البيضاء القصيرة!.. فسكن الضجيج فجأة، وارتفعت الأيدي بالتصفيق، ثم خيم على المكان سكون قدسي كسكون المعابد. وشعر محسن بالخشوع الذي خامره في الكنيسة ذلك اليوم، وتحركت يد الأستاذ بالعصا، فإذا بيتهوفن يتكلم بلغته السماوية، قوية أول الأمر في ذلك الـ "أليجرو" الجليل حلوة بعد ذلك، كأنها أصوات الملائكة الصافية في ذلك الـ "أندانت" الهادئ، ثم فياضة بالسرور الداخلي: من ذلك الـ "سكرتزو" المشرق، إلى أن تنتهي منه إلى ذلك الفرح المتفجر: من أضواء أنغام الـ"برستو" الأخير!...

نعم، إن هو إلا وحي السماء يتكلم، بمختلف المشاعر العظيمة التي رفعت الانسانية إلى هذه المرتبة!.. لقد بدأ محسن يدرك ويحس حقيقة تلك الكلمة التي قرأها في "نيتشه": "كل عواطف البشرية السامية في السيمفونية الخامسة..."!

وترك محسن المسرح وهو شارد القلب شأنه شأن بقية الناس!.. ما زالت نفسه هائمة في ذلك الجو العلوي!.. وخرج إلى الطريق، فاستقبله الهواء البارد ضارباً وجهه، فعادت في الحال إليه نفسه، ونظر حوله فإذا الهواء الظلام ينبئه أن الموعد قد قرب، فأسرع في المشي إلى "الأوديون"، ووقف ببابه مستخفياً وراء عمود يرقب خروج الحسناء!..

دقت الساعة العاشرة، فأقفل شباك التذاكر، وخرجت الفاتنة تتهادى؛ كالغزال الذي وصفه إسحق الموصلي بقوله:

شادن لم ير العراق وفيه *** مع ظرف العراق دلّ الحجاز


وعرف محسن هذا الشادن من مشيته ذات الدل، قبل أن يرى في الظلام وجهه، فاختلج قلبه ولم يتحرك، وابتعدت صاحبته.. وهمست إليه نفسه: أن انطلق خشية أن تختفي عن نظرك!.. فأسرع خلفها وهو كالخائف إلى أن بلغت سلم المترو الأرضي، فنزلت إلى المحطة بعد أن أبرزت لعامل الباب تذكرة من دفتر معها، وما أن وصل محسن واتجه إلى شباك التذاكر، وابتاع تذكرة، ودفع قطعة فضية، واسترجع بقيتها؛ حتى كان القطار قد أقبل ومضى بالفتاة، وهو ينظر فاغراً فاه خائب الأمل!.. وثاب إلى رشده بعد قليل، فقال لنفسه: " لم أحسب حساب دفتر التذاكر الذي معها!.. بالطبع ينبغي أن يكون مع مثلها هذا الدفتر، وهي التي تقطع عين الطريق، آتية غادية مرتين في اليوم!.. لا بأس!.. لا فائدة من الحزن والندم؛ غداً أعيد الكرة بعد أن أعد عدتي!..

وجاء الغد، فحصل على دفتر تذاكر في الدرجة الثانية، وانتظرها قم اقتفى أثرها حتى المحطة، وجاء قطار المترو، فاندفع هو إلى عربة في الدرجة الثانية، ونظر خلفه فإذا هي تصعد إلى عربة في الدرجة الأولى.. وسار القطار ولا اتصال بين العربات... والمحطات كثيرة ولم يعرف في أيتها نزلت الفتاة!... وضاع أثرها أيضاً منه في هذه المرة، فسخط وثار على نفسه صائحاً: إنها الخيبة والبله بعينه!.. ألا أستطيع أن أقتفي أثر إنسان عشرة أمتار؟!.. ثم هدأ وابتسم وقال كالحالم:
"ما كنت أعتقد أن مهنة البوليس السري بهذه الصعوبة"!..

غير أن هذه التجارب الخائبة قد نفعت الفتى في اليوم الثالث، فقد احتاط للأمر من كل جانب، ولم يغفل عن الفتاة طرفة عين، وصعد معها في عربة واحدة، وجعل يراقبها عن كثب دون أن يظهر لعينيها حتى بلغ المترو محطة بورت دي ليلاس فنزلت، فأسرع ونزل خلفها!... وسارت في طريق طويل، تنبت على جانبيه أشجار الزيزفون والكستناء، فتابعها متوارياً، بين لحظة وأخرى، خلف جذوع الأشجار، إلى أن بلغت فندقاً يدعى زهرة الأكاسيا فدخلت...

لم يفعل محسن شيئاً بعد ذلك، غير أنه عاد أدراجه وهو لا يمشي على الأرض... ولكنه يطير راقص القلب؛ فقد عرف منزلها!...
وفي صباح الغد نهض محسن مبكراً، وفتح حقائبه، وحشر فيها ثيابه وكتبه حشراً، وودع المرأة العجوز الدهشة على عجل!.. وأعطاها رسالة سريعة؛ كي تسلمها إلى أندريه وزوجته، ووضع أمتعته في تاكسي وهو يقول للمرأة العجوز:
- قبلي عني الصغير جانو!.. غداً يخبرك أندريه عن سر هذا كله.. إلى اللقاء!..
والتفت إلى سائق السيارة وهمس: إلى بورت دي ليلاس فندق زهرة الأكاسيا!...
وما كادت السيارة تختفي حتى ثابت العجوز إلى رشدها ، وقالت متنهدة:
- هذا الذي كنا نحسبه عاقلاً؟!...

***


كانت السيارة تسابق الريح، وقلب محسن يسابق السيارة وهو كأنه قد ظفر بإيوان كسرى!.. ما كل هذا الفرح؟... ألأنه رآها تدخل فندقاً؟!.. وإذا ظهر بعد هذا كله أنها لا تقطن هذا النزل، وأنها ذهبت زائرة؛ أما ما كان ينبغي له أن يتريث، ويستوثق من الأمر، قبل هذا الركض الجنوني بأمتعته؟!...

هنا اصفر وجهه قليلاً، وخشى أن يكون قد فقد أثرها أيضاً هذه المرة؛ غير أنه لم ير إلا أن يمعن في السير وأن ينزل هذا الفندق؛ فقد فات أوان الرجوع، ووقفت السيارة بباب الفندق وأنزلت الأمتعة، وقادته المديرة إلى الحجرة رقم 48 في الطابق الخامس.

وكان كل ما يطمع فيه محسن وقتئذ، أن يعرف هل تقطن هنا حقاً صاحبته؟... وفي أي طابق وأي حجرة؟... ولكن كيف يوجه السؤال وهو لا يعرف اسمها؟... ودخل الفتى حجرته، فألفاها صغيرة نظيفة، ذات نافذة تطل على فضاء؛ فهذا الحي هو طرق قصي من أطراف باريس، باب من أبوابها- كما ألفى مطبخاً صغيراً ملحقاً بالحجرة، معداً بأحدث معدات تهيئة الطعام، من موقد وفرن صغير، يشعل بغاز يأتي في أنابيب ، إلى أدوات لشواء اللحم، وخزائن لوضع الأواني، وحوض ماء؛ فهذا الفندق معد لسكن الأسر الفقيرة، كل حجرة بملحقها معدة؛ كأنها مسكن مستقل!...

***


نام محسن ليلته الأولى في ذلك المقر الجديد نوماً ثقيلاً؛ فلقد قرأ البارحة كثيراً وتأمل كثيراً... وهو – إذ يفعل ذلك – لا يستيقظ دائماً قبل التاسعة، ولكنه في هذا الصباح نهض قبل السادسة وثباً من فراشه على صوت فاتن ، يغني كأنه طائر جميل هذه الأغنية المشهورة في رواية كارمن:

"الحب طفل بوهيمي!..
لا يعرف أبداً قانوناً!.".


فأسرع إلى النافذة، وبحث عن الصوت، فإذا فتاته في "روب دب شامبر" نسائي من الحرير الأبيض، تنظم أزهار البنفسج في أصص على حافة النافذة التي تحت نافذته!... هي؟.. هنا؟... تهيش في حجرة أسفل حجرته؟!... وثب قلب محسن، ونبض نبضات؛ خيل إليه أنها سمعتها ولكنها مضت في غنائها:

"إذا لم تحبي فأنا أحبك،
وإذا أحببتك فالويل لك!...".
__________________
ابو الهنوف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2009, 06:08 PM   #9
ابو الهنوف
شعراء الوطن
 
الصورة الرمزية ابو الهنوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: هناااااااااااااااااااك
المشاركات: 931
ابو الهنوف is on a distinguished road
Angry الفصل السابع

أسرع محسن وارتدى ثيابه، ووقف بباب الفندق ينتظر خروجها؛ فهو قد أدرك أنها لا بد خارجة بعد قليل!... وهو يعلم أن شباك تذاكر الأوديون يفتح في الساعة الحادية عشرة. ولم يخب ظنه؛ فقد سمع صوتها بعد لحظة وهي تنزل السلم سائلة صاحبة النزل عن بريد الصباح، فاستعد وضبط أعصابه، وما كادت تدنو منه حتى تقدم إليها، ورفع قبعته السوداء، فرفعت أهدابها الجميلة وسددت إليه عينيها الفيروزيتين، فأرتج عليه، ولم يعرف كيف يبدأ الكلام!... وخيل إلى الفتاة أنها رأت هذا المعطف، وهذه القبعة السوداء، من قبل؛ وبدا على وجهها أنها تذكرته!.. فما أن رأى محسن منها ذلك حتى قال من فوره:
- نعم، أنا هو!...
فابتسمت قليلاً؛ غير أنها قالت:
- من هو؟..
فخجل الفتى وارتبك، ورأت الفتاة خشونة ردها عليه فاستدركت:
- إن لم أخطئ الظن، فأنت يا سيدي زبوني!!!..
- نعم، أنا هو زبونك الدائم!!.. ولي الشرف أن أكون كذلك..
- وما جاء بك إلى هذا الحي الذي لا يعرفه إلا الأجانب؟.. معذرة من فضولي!..
- فضولك يا سيدتي هو كل ما أرجو وأحب.. جاء بي إلى هذا الحي.. الفضول!...
فابتسمت وقالت:
- أيضاً!!..
- بل شيء أكبر جداً من هذا...
واحمر وجهه قليلاً، وخشى أن يكون الموقف قد طال، وأنه قد قطع عليها السير، فأبدى لها أسفه سريعاً... وتنحى عن طريقها واستأذنها في أن يسير إلى جانبها قليلاً حتى يتم حديثه... فأذنت له ومشيا إلى محطة المترو وهو يقول:
- إني جئت إليك أحجز محلاً لمشاهدة قصة هذا المساء!...
- شباك التذاكر ليس هنا!... إنه هناك في المسرح!..
- وما يمنه أن يكون في أي مكان تحلين فيه؟!.. هو الذي يجب أن يتبعك!.. ككل شيء وكل إنسان!... فالتفتت إليه تستجلي أمره؛ وكأنما أدركت قليلاً حقيقة غرضه:
- وكيف عرفت أني أقطن هذا الحي، وهذا الفندق؟...
- عجباً!.. أتقطنين هذا الحي، وهذا الفندق؟!.. إذن أنت تقطنين هذا الحي وهذا الفندق!..
فنظرت إليه فاحصة؛ كمن ينظر إلى مخلوق عجيب، ولكنه مضى يقول:
- وافرحتاه!.. أنا أيضاً أقطن هذا الحي، وهذا الفندق!...
فقالت في لهجة المستريب:
- منذ زمن طويل؟!...
- منذ.. لست أدري.. نعم، منذ زمن طويل!...
فلم تنبس الفتاة ، وساد بينهما صمت عميق... وشعر محسن ببرد يكتنف الموقف ورأى محطة المترو وقد أصبحت منهما على قيد خطوات وخشى أن تضطره هي فجأة إلى الافتراق عنها، ولم يقل بعد شيئاً يثبت إلى الأرض هذه الصلة الطائرة... فاندفع يقول في غير تصبر:
- ما أجمل هذا الصباح!... لقد استيقظت على أغنية كارمن تتصاعد من نافذة تحت نافذتي... لكن بأي صوت وأي غناء!..
وكأن الفتاة لم تسمع شيئاً؛ فقد لزمت الصمت، وكانت قد دنت من سلم المترو الأرضي فالتفتت إلى محسن ومدت يدها إليه قائلة- في صوت كله تحفظ، كأنها تخاطب شخصاً لا تعرفه، ولا تحرص على أن تعرفه:
- عم صباحاً يا سيدي!..
وهبطت السلم ، واختفت في لمح البصر، تاركة الفتى في مكانه، كتمثال من الرخام قد غطاه الجليد!...

***


ثاب محسن إلى رشده ولكن الدهش لم يفارقه، لماذا تركته على هذا النحو؟!.. أكان مسرفاً في حديثه؟.. ولكن لماذا؟... وماذا كان يجب عليه إذن أن يقول؟!..
واسترسل في التفكير برهة، يقلب الأمر على وجوهه... إلى أن انتهى به حديث النفس إلى شاطئ هادئ: الرجاء والرضا بما حدث حتى اليوم، فإن حياته منذ اليوم إلى جوارها شيء ليس بالقليل، بل إنه الآن يستطيع أن يعرف عنها الكثير... يستطيع أن يعرف اسمها على الأقل، وأن يعرف مع من يعيش هنا!...
ولم يفكر محسن أكثر من ذلك ، فقد جرى لساعته إلى الفندق، وصعد إلى الطابق الرابع، وبحث عن الحجرة التي تقع أسفل حجرته، وقرأ رقمها: "38"... ثم نزل في الحال إلى صاحبة الفندق، فحياها في ابتسامة رقيقة، وحرك شفتيه متردداً لا يدري بعد، كيف يصل إلى غرضه دون أن يبدو عليه شيء، ولكن المرأة ابتدرته:
- أراض عن حجرتك يا سيدي؟...
ففتح هذا السؤال الطريق للفتى، وقال:
- لا بأس بها..وإن كنت أفضل الحجرة السفلى؟...
- السفلى!.. في الطابق الرابع؟.. إنها مشغولة يا سيدي!...
- تشغلها أسرة؟!...
- كلا يا سيدي.. بل آنسة بمفردها!...
فأخفى الفتى سروراً كاد يشرق به وجهه:
- بمفردها؟...
ثم استطرد في الحال:
- نعم!.. إن الحرب الكبرى قد جعلت الفتاة هنا كالشاب، تسعى وراء رزقها بمفردها!... نعم!... هذه الآنسة، إن صدق ظني، فهي عاملة شباك التذاكر بمسرح الأوديون!...
- صدق ظنك يا سيدي!...
- نعم!.. إني أختلف إلى الأوديون كثيراً... هي، إن صدقت ذاكرتي: "مدموازيل... ماري"؟!...
فابتسمت المرأة ابتسامة ، لا أحد يدري: إن كانت تنم عن خبث ومكر وإدراك ، أو أنها لا تنم إلا عن بساطة وملاطفة:
- خانتك ذاكرتك هذه المرة يا سيدي؛ إنها تدعى "مداموزيل سوزي ديبون"!..
- "سوزي"؟!..
انزلق هذا اللفظ من بين شفتيه، وهو في نشوة من فرح داخلي يشبه الذهول ! وتنبه من فوره، وضبط نفسه، والتفت إلى المرأة وقال:
- أشكرك يا سيدتي على هذا الوقت الذي أضعته عليك... أشكرك!
ثم تركها وخرج إلى الطريق سريعاً يهمس:
"سوزي"!...

قضى محسن بقية الصباح جالساً على مقعد في حديقة لوكسمبرج سارحاً في أحلامه الكثيرة... لقد كان يأتي إلى هذا المكان بعد ظهر الأيام الأولى من مجيئه إلى باريس، وكان يصحبه مواطن أكبر منه سنا.. وكان هذا شيخاً يدرس في الأزهر، وقد جاء باريس ليكمل دراسته العليا- ليس كما كان محسن يدرس الحقوق والآداب- ولكن لدراسة الدين المقارن...

لقد كان حراً طليقاً... يحب في باريس النساء، وكان عقله لا يتفتح لأي أدب، ما عدا النصوص الدينية في الكتب المقدسة، وحتى هذه ما كان يدرك كل معانيها الخفية...
وكان من عادته أن يتنزه في حدائق لوكسمبرج للتطلع إلى سيقان السيدات الجميلات..
وفي الليلة التي كان يزمع فيها العودة إلى مصر، قص على محسن قصة مسلية، قال:

- تعرفت يوماً على شيخ ذي لحية بيضاء في الحديقة، جاء مثلي يتأمل السيقان الجميلة، وكان اسمه أناتول... وكنا نتقابل عصر كل يوم على نفس المقعد، ونتفرج معاً على نفس الشيء، وقد جمع بيننا غرض واحد، وظروف واحدة...

وفي عصر يوم التقيت بصديقي أناتول في شارع سان ميشيل، فسرنا معاً، وقد تشابكت الأذرع بيننا في صداقة ومحبة، ثم اتجهنا إلى الحدائق.. وكان في ذلك الوقت ينعقد مؤتمر الصلح في فرساي، وكانت مصر قد أرسلت وفدها الوطني إلى باريس ليسمع صوتها، ومطالبتها بالاستقلال...

وما إن وصل الوفد إلى باريس حتى وجد كل الأبواب موصدة في وجهه، ولم تقبل أي جريدة أن تكتب سطراً واحداً عن مهمة الوفد، وكاد يفشل في مهمته:
وبينما كان واحداً من رجال الوفد يتمشى صدفة في شارع سان ميشيل حتى رآني وأنا ممسك بذراع الشيخ، فعرفني على التو، وكانت فرحته لا تقاس، وكأني هبطت عليه من السماء..
قال:
- أتعرف جيداً هذا السيد؟!..
قلت:
- أي سيد.. هذا العجوز الذي يصاحبني...؟!
قال:
- نعم.. هذا أكبر كاتب في باريس..
قلت:
- هذا المخرف..؟!
إنه أناتول فرانس بعينه.. بلحمه، ودمه.. ألم تسمع قط الناس يتكلمون عن أناتول فرانس...؟
- نعم...
- يا غبي...! يكفينا منه سطران وننجح في مهمتنا..
- ماذا؟!... من ذلك العجوز أناتول...؟
- حاول أن تقدمني إليه، فإنك بذلك تقدم خدمة للوطن...
ولبث لحظة دهشاً غافر الفم.. ثم أخذت أبحث عن صديقي أناتول.. وأخيراً عثرت عليه في مقعده المعتاد، واقتربت منه، ولأول مرة تكلمت معه في شيء من الاحتشام قائلاً:
- سيدي .. أنت رجل عظيم.. أنت أكبر كاتب في فرنسا.. اغفر لي غباوتي..
دهش أناتول فرانس في بادئ الأمر، ثم قال، وعلامات الحزن بادية عليه.. لقد كشف سره ذلك الدخيل الذي التقى بنا في الطريق. ثم مد لي يده قائلاً:
- يا للخسارة!... لقد انتهت صداقتنا!...
وتركني لأسير وحيداً
ولم تمض بضعة شهور حتى كان أناتول فرانس يكتب مقدمة لكتاب "صوت مصر" نشره فيكتور مرجيت يدافع فيها عن مصر واستقلالها...
__________________
ابو الهنوف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2009, 06:11 PM   #10
ابو الهنوف
شعراء الوطن
 
الصورة الرمزية ابو الهنوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: هناااااااااااااااااااك
المشاركات: 931
ابو الهنوف is on a distinguished road
Angry الفصل الثامن

أنفق الفتى ما تبقى من ذلك الضحى هائماً على وجهه، في طرقات ذلك الحي، جاعلا من شأنه البحث عن مطعم رخيص، يلجأ إليه في أيام الضنك وهي كل الأيام، عدا اليوم الأول والثاني من كل شهر... وقد وجد ضالته في شارع مونيلمونتان!.. إنها شبه حانة توسم فيها النظافة مع قلة النفقة؛ فقد قرأ في لوحة من ورق الكرتون معلقة على بابها، أن ثمن الأكلة الكاملة مع زجاجة من النبيذ خمسة فرنكات بالتمام. وكان الظهر قد أقبل؛ وأحس محسن الجوع، فدخل ذلك المطعم، واتخذ له مجلساً في أحد الأركان، وجاء الغلام، فطلب إليه شريحة من لحم الثور، مشوية مع البطاطس، واعتدل في جلسته مطمئناً يفحص وجوه الحاضرين.. إنهم جميعاً من طبقة العمال، أولئك الذي ينبذون الشوكة والسكين ويقطعون الخبز واللحم بمدية الجيب!..

ولكن الفتى لم يأنف من تلك السواعد العارية، والجباه المتصببة عرقاً، والثياب التي تقطر بؤساً. فـ "محسن" لا يشعر دائماً أنه في مكانه، إلا بين أمثال هؤلاء، وهو يوم يدفعه الرخاء إلى مطعم فاخر؛ فإنه يدخله دائماً خائفاً كالغريب. وجعل الفتى يقضم رغيفه قضماً خفيفاً في انتظار الغداء، ويصغي في اعماق نفسه إلى تلك الرباعية من رباعيات عمر الخيام:

إذا أردت أن تعرف الصفاء والسلام.. فاحدب على تعساء الحياة، أولئك الضعفاء الفقراء الذين يرتعدون في شقائهم، عندئذ تظفر بالسعادة!...

نعم إنه فعلا يجد في نفسه الآن شيئاً من تلك السعادة الهادية الصافية، في هذا المكان المتواضع. وسمع حواراً على مقربة منه؛ بين صاحب المطعم البدين وبين عامل من العمال شاحب الوجه حاد النظرات:
- لن أتناول اليوم لحمك؛ إني مريض!..
فقال صاحب الحان مشفقاً:
- نعم!.. أرى ذلك.. إنك تعيش وحدك فيما أعلم يا مسيو إيفان!..
- إني دائماً وحدي في الحياة!..

هذه العبارة الأخيرة استرعت التفات محسن، لا لأنها ذات نغم حزين؛ بل لأن الفتى كان يتصور أنه، هو وحده، الذي يحيا دائماً وحده في الحياة.. إنه يعلم أن المعتزلة اليوم قليل؛ ولكم يشعر بحب وتقدير لأولئك الذين لا تطيب لهم السكنى إلا داخل أنفسهم؛ ذلك أن قليلاً من الناس من يملك نفساً رحبة غنية يستطيع أن يعيش فيها، وأن يستغني بها عن العالم الخارجي.. إنه يعتقد دائماً أن الزاهدين الحقيقيين ليسوا إلا أناساً، لهم نفوسه كالفراديس، تشقها الأنهار، وتنيرها الشموس، وتتلألأ فيها الكنوز؛ فهي عالم من الفتنة والسحر، لا نهاية لبدائعه وأسراره!...

وأبطأ طبق الحساء على جاره العامل المريض، فأبصره قد أخرج من جيبه كتاباً، جعل يلتهم صفحاته بدل الطعام، وود محسن لو عرف عنوان الكتاب!.. ودفعه حب الاستطلاع إلى أن يميل بجسمه ويختلس النظر، ففاجأته عين الرجل، فارتبك الفتى وأشار إلى الكتاب:
- معذرة هذا الفضول مني!.. إني أحب الكتب، لا شك في أنه كتاب لذيذ...
فأرسل إليه الرجل نظرات عميقة، ولم يقل شيئاً، لكنه مد يده ، ورأى الفتى العنوان على الغلاف ، فاستطاع محسن أن يقرأ:
"رأس المال" : كارل ماركس!..

لم يمض النهار حتى نشأت صداقة وديعة بين محسن وذلك العامل الفقير، وقد أنس أحدهما إلى الآخر؛ كما يأنس الغريب إلى الغريب، وهو الواقع.. فهذا الرجل روسي، ترك بلاده منذ بضعة أعوام، وهو أيضاً من أولئك الذين يعيشون على القراءة والتفكير والوحدة، وقد دعا الفتى إلى حجرته الصغيرة التي يقطنها ي إحدى دور العمال، فرأى محسن الكتب مكدسة في كل مكان، ولم يستطلع محسن شيئاً عن دخيلة الرجل، لكنه أحس أن الرجل قد فرح بمعرفته فرحاً عميقاً؛ فقد قال وهو يعد له الشاي، على موقد في أحد الأركان:

- لكم أشعر أن وطأة مرضى قد خفت منذ لقائنا، لست أدري لماذا؟...
وقدم للفتى قدح الشاي، وجلس هو على صندوق قديم من الخشب الأبيض؛ فقد أكرم ضيفه بالكرسي الوحيد في الحجرة، ورف محسن رشفة وهو يقول:
- وأنت يا مسيو إيفانوفتش ألا تحب الشاي؟..
- إني أفضل جرعة من الفودكا.. آه .. إن هذا الشراب مع تولستوي هما كل ما أحب الآن من الروسيا!...
ولمح محسن بعض المرارة في كلام الرجل، فقال له في سذاجة:
- كيف ذلك؟ .. إن الروسيا الآن هي جنة الفقراء!...
فأجابه الرجل كالمخاطب لنفسه:
- أتظن ؟.. إن جنة الفقراء لن تكون على هذه الأرض!...
وصمت الرجل قليلاً، ثم قام إلى زجاجة الفودكا فتناول منها جرعة وهو يقول:
- أنت أيضاً ممن يعتقدون في هذه الخرافة : جنة الفقراء؟!... إني فكرت في أمرها كثيراً، ومن ذا الذي لم يفكر فيها؟.. تلك مشكلة الدنيا التي لم تحل: "وجود أغنياء وفقراء وسعداء وتعساء على هذه الأرض"!... من أجل هذه المشكلة وحدها ظهرت الرسل والأنبياء!..
- يا مسيو إيفان... لست أرى رأيك في أن المشكلة لم تحل!... إن الأنبياء قد جاءوا من السماء بخير الحلول!..
فتفكر الرجل قليلاً، ثم قال كالمخاطب لنفسه:

- أنبياؤكم أنتم؟!... نغم هذا الجائز!.. إن الشرق قد حل المعضلة يوما ما.. هذا لا ريب فيه؛ إن أنبياء الشرق قد فهموا أن المساواة لا يمكن أن تقوم على هذه الأرض، وأنه ليس في مقدورهم تقسيم مملكة الأرض، بين الأغنياء والفقراء؛ - فأدخلوا في القسمة مملكة السماء، وجعلوا أساس التوزيع بين الناس الأرض والسماء معاً: فمن حرم الحظ في جنة الأرض، فحقه محفوظ في جنة السماء!.. هذا جميل!... ولو استمرت هذه المبادئ، وبقيت هذه العقائد حتى اليوم، لما على العالم كله في هذا الأتون المضطرم. ولكن الغرب أراد هو أيضاً أن يكون له أنبياؤه الذين يعالجون المشكلة على ضوء جديد وكان هذا الضوء منبعثاً هذه المرة، من باطن الأرض، لا آتيا من أعالي السماء...

هو ضوء العلم الحديث؛ فجاء نبينا كارل ماركس، ومعه انجيله الأرضي : "رأس المال"، وأراد أن يحقق العدل على هذه الأرض، فقسم الأرض وحدها بين الناس، ونسي السماء، فماذا حدث؟.. حدث أن أمسك الناس بعضهم برقاب بعض، ووقعت المجزرة بين الطبقات تهافتاً على هذه الأرض!!..

تأمل محسن قليلاً هذا الكلام، ثم قال كالمخاطب لنفسه: كمن يلقي تفاحة بين أطفال يتلمظون!..

- لقد ألقى قنبلة المادية والبغضاء واللهفة والعجلة بين الناس، يوم أفهم الناس أن ليس هنالك غير الأرض يوم أخرج السماء من الحساب؛ لأن علم الاقتصاد الحديث لا يعرف السماء!... اما أنبياء الشرق فقد ألقوا زهرة الصبر والأمل في النفوس، يوم قالوا للناس: لا تتهالكوا على الأرض؛ ليست الأرض كل شيء!... إن هنالك شيئاً آخر غير الأرض سيكون لكم شيء آخر يدخل في التوزيع!... إن الإنسان لا يحيا من أجل الخبز، كما أنه لا يعيش من أجل الخبز وحده... آه!... إن أنبياء الشرق هم العباقرة حقا!!..

وصمت الرجل قليلاً، ثم مضى يقول:
- إن روح المسيحية، كما نبعت في الشرق، هي المحبة، والمثل الأعلى. وروح الإسلام: الإيمان والنظام. ومسيحية اليوم الجديدة في الغرب، هي الماركسية، وهي كذلك لها مثلها الأعلى، لا في محبة الناس بعضهم بعضاً، وتبشير الفقراء بمملكة السماء وحضهم على إعطاء ما لقيصر لقيصر، وما لله لله؛ بل بإغرائهم بمملكة ، تقام على أنقاش طبقة ، وأشلاء طبقة، ونصحهم بالهجوم على قيصر، وأخذ ما لقيصر!.. وإن إنجيل هذا الدين: كتاب رأس المال تجد أيضاً في بعض صفحاته تنبؤات مخيفة؛ كتنبؤات يوحنا في رؤياه؛- ففيه توعد بانهيار هذا العالم، وحلول عالم آخر قوامه العمال وحدهم!... أي أجسام تسير بغير رؤوس فوق المناكب؟!.. يا له من حلم مخيف!..

أما إسلام العصر الحديث في الغرب: فهي الفاشية، وهي كذلك لها طابع الإيمان والنظام!.. إيمان لا بالله، بل بزعيم من البشر ونظام لا يؤدي إلى التوازن الاجتماعي بالتواضع والزكاة؛ - إنما هو نظام فرضته يد الإرهاب؛ ليؤدي إلى مطامع الاستعمار، والوثوب على الضعيف من الشعوب!.. ولهذا الدين أيضاً كتابه وخطبه المنبرية الملتهبة، لا بحرارة عقيدة سماوية، ولكن بحرارة قوة حيوانية، وشراهة دموية!...
آه أيها الصديق.. تلك هي الديانات التي استطاع الغرب أ، يخرجها للناس- يوم أراد أن يزاحم الشرق ويخرج للعالم أدياناً!...

فرفع محسن رأسه بعد إطراق طويل، ثم قال:
- يدهشني منك هذا القول يا مسيو إيفان، وأنت من العمال؟...
- نعم؛ أنا من العمال، ومن الفقراء.. لكن، لي من سوء الحظ رأس يفكر، إني أعرف أن وعود أديان الغرب الجديد كلها... إن هي إلا تغرير بالعمال والفقراء.. إن الماركسية والفاشستية قد أخذتا عن أديان الشرق طرقها وأساليبها، وفهمتا جيداً أن كل خطة النبي هي استمالة الساخطين والمتذمرين والمعوزين، وهم الكثرة الغالبة!.. هكذا فعل عيسى ومحمد!.. هل تبعهما ،أول الأمر، غير العبيد والأرقاء والفقراء والضعفاء؟.. ذلك أن طبقة الراضين والموسرين ليست في حاجة إلى أن تتبع أحداً!... وهي مع ذلك قلة نادرة، وسط خضم الدهماء؛ فالدهماء هم سند الدين، وهم القوة في كف النبي!.. لقد أدرك ذلك جيداً أنبياء أوربا في العصر الحديث ودرسوا Technique النبوة على أيدي الأساتذة الشرقيين، فبنوا كل شيء على أساس واحد: "الدهماء"!.. وجعلوا يتنافسون في إرضاء هذه الكتل الآدمية بالوعود: وعود واقعية قريبة الأجل، وهنا كل غباء هؤلاء الأنبياء!.. إن التنافس بين الدينين ليبدو لي شديد الخطر!.. وإني لأتنبأ لك، منذ الآن، بوقوع نوع من الحروب بين الماركسية والفاشستية تحشد فيها الدهماء ضد الدهماء، وتتناثر فيها الجثث.. وتتطاير الأشلاء... هذا كل مكسبنا.. إنهم لن يبقوا لنا حتى على ذلك الوهم اللذيذ، والعزاء الجميل الذي غمرنا فيه أنبياء الشرق الحقيقيون..

- أي وهم وأي عزاء؟!..
- جنة السماء، وملكة السماء!..
- أتسمى هذا وهماً؟!..
- آه.. معذرة .. معذرة!.. إنك مؤمن!... ما أسعدك أنت!.. وما أحسن حظك!...
__________________
ابو الهنوف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مكياج سحر الشرق 2009 الوليد عالم حواء - تسريحات - بنات - مكياج 11 07-19-2009 02:00 PM

إظهار / إخفاء الإعلاناتالاعلانات النصية
إعلان نصي إعلان نصي إعلان نصي إعلان نصي مجموعة بريدية
الساعة الآن 05:53 AM.



Powered by vBulletin® Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd Different
(Valid XHTML 1.0 Transitional | Valid CSS! | SEO) .
For best browsing ever, use Firefox.
designed by w-enter cloned by clony-style.co.cc